الشيخ محمد رشيد رضا

212

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وعمله ، اللذين هما من كسبه وسعيه لا من عمل غيره ، وان الجزاء على الكفر والمعاصي يكون بعدل اللّه تعالى بين جميع خلقه بدون محاباة شعب على شعب ، والجزاء على الايمان والأعمال الصالحة يكون بمقتضى الفضل ، فالحسنة بعشر أمثالها وقد يضاعفها اللّه تعالى أضعافا كثيرة ومدار كل ذلك قاعدة قوله تعالى ( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) أي إن اللّه الذي خلق هذه النفس وسواها بما وهبها من المشاعر والعقل ، قد جعلها بالهام الفطرة والغريزة مستعدة للفجور الذي يرديها ويدسيها ، والتقوى التي تنجيها وتعليها ، ومتمكنة من كل منهما بإرادتها ، والترجيح بين خواطرها ومطالبها ، ومنحها العقل والدين يرجحان الحق والخير على الباطل والشر ، فبقدر طهارة النفس وأثر تزكيتها بالايمان ومكارم الأخلاق ومحاسن الاعمال يكون ارتقاؤها في الدنيا وفي الآخرة ، والضد بالضد . فالجزاء أثر طبيعي للعمل النفسي والبدني الذي يزكي النفس أو يدسيها ويدنسها ، وهذا هو الحق الذي يثبته من عرف حقيقة الانسان ، وحكمة الديان ، وهو مما أصلحه القرآن من تعاليم الأديان فإذا علمت ما كان من انكار مشركي العرب للبعث والجزاء ، ومن فساد إيمان أهل الكتاب وسائر الملل في هذه العقيدة ، وعلمت أنها مكملة للايمان باللّه تعالى ، وان تذكرها هو الذي يقوي الوازع النفسي الذي يصد الانسان عن الباطل والشر والظلم والبغي ، ويرغبه في التزام الحق والخير وعمل البر - علمت أن ذلك ما كان ليفعل فعله العاجل في شعب كبير الا بتكراره في القرآن بالأساليب العجيبة التي فيه من حسن البيان ، وتقريب البعيد من الأذهان ، تارة بالحجة والبرهان ، وتارة بضرب الأمثال ، وقد تكرر في آيات بينات ، لعلها تبلغ المئات ، ومن اعجازه انها لا تمل ولا تسأم الايمان بالبعث والجزاء وهو الركن الثاني في جميع الأديان ، من لوازم الركن الأول وهو الايمان باللّه المتصف بجميع صفات الكمال ، المنزه عن العبث في أفعاله وأحكامه ، ولهذا كان من أظهر أدلة القرآن عليه قوله ( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً