الشيخ محمد رشيد رضا

200

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وجدانيا لجمهورهم إلا بالأسلوب الذي نزل به القرآن فقلب به طباع الكهول والشبان وأخلاقهم وتقاليدهم وعاداتهم وحولها إلى ضدها علما وعملا بما لم يعهد له نظير في البشر ، فكان القرآن آية خارقة للمعهود من سنن الاجتماع البشري في تأثيره ، بالتبع لكونه آية معجزة للبشر في لغته وأسلوبه واعتبر هذا ببني إسرائيل سلالة النبيين ، فان كل ما رأوه بمصر من آيات موسى عليه السّلام ، ثم ما رأوه في برية سينا مدة التيه منها ، ومن عناية اللّه تعالى بهم ، ومن سماعهم كلام اللّه تعالى بآذانهم في لهيب النار المشتعلة على ما ترويه توراتهم - ولم يثبت عندنا التكليم الا لنبيهم - لم يتغير به ما كان بأنفسهم من تأثير الوثنية المصرية وخرافاتها ومهانتها واخلاقها ، فقد عذبوا موسى عذابا نكرا ، وعاندوه في كل ما كان يأمرهم به ، وعبدوا صنم العجل الذهبي في أثناء مناجاته لربه ، حتى وصفهم اللّه في التوراة بالشعب الصلب الرقبة ، وهو كناية عن البلادة والعناد ، وعصل الطباع المانع من الانقياد ، وظل ذلك كذلك إلى أن باد ذلك الجيل الفاسد بعد أربعين سنة ونشأ فيهم جيل جديد ممن كانوا أطفالا عند الخروج من مصر وممن ولد في التيه أمكن أن يعقلوا التوحيد والشريعة ، وأن يعملوا بها ، ويجاهدوا في سبيلها ، وانما كان ذلك بعد موت موسى عليه السّلام فأين بنو إسرائيل من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذين تربوا بسماع القرآن وترتيله وتدبره في رسوخهم في الايمان ، وصبرهم على أذى المشركين واضطهادهم إياهم ليفتنوهم عن دينهم ، ثم في مجاهدتهم لهم عند الامكان بعد الهجرة ، ومجاهدة أعوانهم من أهل الكتاب ( اليهود ) وتطهيرهم الحجاز وسائر جزيرة العرب من كفر الفريقين في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم وقد كانت مدة البعثة المحمدية كلها عشرين سنة أي نصف مدة التيه ، وكان ذهب نصفها في الدعوة وتبليغ الدين للافراد بمكة ، والنصف الآخر هو الذي تم فيه الانقلاب العربي من تشريع وتنفيذ وجهاد ثم تأمل ما كان من تدفقهم هم أنفسهم كالسيل الأتيّ على الأقطار من نواحي الجزيرة كلها ، والظهور على ملكي قيصر وكسرى أعظم ملوك الأرض وإزالة الشرك والظلم منهما ، ونشر التوحيد والحق والعدل فيهما ، ودخول الأمم في دين اللّه