الشيخ محمد رشيد رضا

198

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يعلم هذا وذاك مما نبينه من فوائد نظمه وأسلوبه الذي أنزله به رب العالمين ، العليم الحكيم الرحيم ، وهو مزج تلك المقاصد كلها بعضها ببعض وتفريقها في السور الكثيرة ، الطويلة منها والقصيرة ، بالمناسبات المختلفة ، وتكرارها بالعبارات البليغة المؤثرة في القلوب ، المحركة للشعور ، النافية للسآمة والملل من المواظبة على ترتيلها بنغمات نظمه الخاص به وفواصله المتعددة القابلة لأنواع من التغني الذي يحدث في القلب وجدان الخشوع ، وخشية الاجلال للرب المعبود ، والرجاء في رضوانه ورحمته ، والخوف من عقوبته ، والاعتبار بسننه في خلقه ، بما لا نظير له في كلام البشر من خطابة ولا شعر ولا رجز ولا سجع ، فبهذا الأسلوب الرفيع في النظم البديع ، وبلاغة التعبير السنيع ، كان كما ورد في وصفه : لا تبلى جدته ولا تخلقه كثرة الترديد وحكمة ذلك وغايته تعلم مما وقع بالفعل وهاك بيانه بالاجمال الثورة والانقلاب الذي أحدثه القرآن في البشر القرآن كتاب أنزل على قلب رجل أمي نشأ على الفطرة البشرية سليم العقل صقيل النفس طاهر الاخلاق لم تملكه تقاليد دينية ولا أهواء دنيوية ، لأجل إحداث ثورة وانقلاب كبير في العرب فسائر الأمم يكتسح من العالم الانساني مادنس فطرته من رجس الشرك والوثنية الذي هبط بهذا الانسان من أفقه الأعلى في عالم الأرض إلى عبادة مثله وما هو دونه من هذه المخلوقات ، وما أفسد عقله وذهب باستقلال فكره من البدع الكنسية ، والتقاليد المذهبية ، التي أحالت توحيد الأنبياء الأولين شركا وحقهم باطلا ، وهدايتهم غواية - وما أفسد بأسه ، وأذل نفسه ، وسلبه ارادته ، من استبداد الملوك الظالمين ، والرؤساء القاهرين ، ثورة تحرر العقل البشري والإرادة الانسانية من رق المنتحلين لأنفسهم صفة الربوبية أو النيابة عنها في التحكم في الناس واستذلالهم ، فيكون كل امريء اهتدى به حرا كريما في نفسه ، عبدا خالصا لربه والهه ، يوجه قواه العقلية والبدنية إلى تكميل نفسه وجنسه مثل هذه الثورة الانسانية لا يمكن أن تحدث الا على قاعدة القرآن في قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) وكيف يكون تغيير الأقوام