الشيخ محمد رشيد رضا
17
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عَنْهُ ) وقال ( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ) شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة . قال أبو صخر : فكأني لم أقرأ هذه الآية قط والتحقيق ما قلناه ، فان هذه الآيات وما بعدها في بيان حال المسلمين في عهد نزولها مؤمنيهم ومنافقيهم ، ومحسنيهم ومسيئيهم ، والذين خلطوا منهم عملا صالحا وآخر سيئا ، والذين تاب اللّه عليهم والذين ارجأ توبتهم . وهذه الآية نص في أن الطبقات الثلاث من السابقين الأولين والذين اتبعوهم في الايمان والهجرة والجهاد عندما أبيحت الهجرة وتيسرت أسبابها بصلح الحديبية قد فازوا كلهم برضاء اللّه ووعده لهم بالجنة ، وأنه ليس فيهم أحد من المنافقين بل كان جميع المنافقين من أهل المدينة وما حولها إلى أن فتحت مكة واعتق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أهلها فاظهروا الاسلام والسيوف تقطر من دمائهم فكان منهم المنافقون ، وضعفاء الايمان المقلدون ، وهم الذين كانوا سبب الهزيمة في حنين كما تقدم في تفسير الآيات 25 - 27 ثم حسن اسلام الأكثرين ، ففتحوا الفتوحات ونشروا الاسلام في العالمين وجملة القول أن جميع افراد هذه الطبقات الثلاث ، قد جازوا القنطرة واستبقوا الصراط ، وما عاد يؤثر في كمال إيمانهم شيء ، لان نورهم يمحو كل ظلمة تطرأ على أحد منهم بإلمامه بذنب . وإذا كان بعض المحدثين يقول : ان من اتفق الشيخان على تعديله في الرواية - أي اعتمدا عليه في أصولهما المسندة - قد جاز قنطرة الجرح ، فماذا يقال فيمن عدلهم اللّه عز وجل ، وشهد لهم بأنه رضي عنهم ورضوا عنه ؟ وسيأتي ان اللّه تعالى ناب على المذنبين والمقصرين وغفرلهم وللشيخ محيي الدين بن عربي مناظرة مع نفسه بسطها في كتابه ( روح القدس ) ذكر فيها انه في أثناء مجاورته بمكة المكرمة حدث لنفسه من الاعجاب بعبادتها ومعرفتها ما دعاه إلى مناظرتها وإقامة الحجة عليها بغرورها ، فرضها أولا على القرآن ، فاعترفت بضعفها عن بلوغ ما قرره من أوج الكمال ، فعرضها على سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاعتذرت يحديث عائشة « كان خلقه القرآن » وهو ما يعجز عنه من دونه « تفسير القرآن الحكيم » « 3 » « الجزء الحادي عشر »