الشيخ محمد رشيد رضا
187
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومثال آخر ما زعموه من مروره صلّى اللّه عليه وسلّم في رحلته إلى الشام بأرض مدين وحديثه مع أهلها ، الذي أرادوا به ان يجعلوه أصلا لما جاء في القرآن من أخبارها والخبر باطل كما بيناه عند نقلنا إياه في المقدمات ، ولو صح لما كان من المعقول أن يكون ما سمعه في الطريق من أناس مجهولين ومعارفهم لا يوثق بها أصلا للوحي الذي جاء في قصة موسى وفي قصة شعيب عليهما السّلام ( الوجه الثاني ) لو كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تلقى عن علماء النصارى في الشام شيئا أو عاشرهم لنقل ذلك اتباعه الذين لم يتركوا شيئا علم عنه أو قيل فيه ولو لم يثبت الا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى اسناده ( الوجه الثالث ) لو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحي قد تعلمه في الشام من النصارى ، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة وهو انه كان في مكة قين ( حداد ) رومي يصنع السيوف وغيرها فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقف عنده أحيانا يشاهد صنعته فاتهموه بأنه يتعلم منه ، فرد اللّه عليهم بقوله ( 16 : 103 وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) ( الوجه الرابع ) نصوص القرآن صريحة في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يعرف شيئا من اخبار الرسل وقصصهم قبل الوحي ، وهم متفقون معنا على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يكذب على أحد فضلا عن الكذب على اللّه عز وجل ، كما اعترف بذلك أعدى أعدائه أبو جهل ، كما أنهم متفقون معنا على قوة إيمانه باللّه عز وجل ويقينه بكل ما أوحاه اليه ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى عقب قصة موسى في مدين وما بعدها من سورة القصص ( 28 : 44 وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ 45 وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ، وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ، وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) وقوله بعد قصة نوح من سورة هود ( 11 : 49 تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) ونحوها في قصة يونس من سورته ( الوجه الخامس ) انه لم يرد في الأخبار الصحيحة ولا الضعيفة ان محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم