الشيخ محمد رشيد رضا
185
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وانه طال تفكره في إنقاذهم من ذلك لشرك القبيح وتطهيرهم من تلك الفواحش والمنكرات - لا مانع من ذلك - وانه استفاد من أسفاره وممن لقيه فيها وفي مكة نفسها من النصارى كثيرا من المعلومات عن النبيين والمرسلين الذين بعثهم اللّه في بني إسرائيل وغيرهم فأخرجوهم من الظلمات إلى النور - هذا لم يصح عندنا ولا يضرنا - وان تلك المعلومات لم تكن كلها مقبولة في عقله لما عرض للنصرانية من الوثنية بألوهية المسيح وأمه وغير ذلك وبما حدث فيها من البدع - هذا مبني على ما قبله فهو معقول غير منقول - وانه كان قد سمع ان اللّه سيبعث نبيا مثل أولئك الأنبياء من العرب في الحجاز قد بشر به عيسى المسيح وغيره من الأنبياء - وأن هذا علق بنفسه فتعلق رجاؤه بان يكون هو ذلك النبي الذي آن أوانه - وهذا استنباط لهم مما قبله وسيأتي ما فيه - ونتيجة ما تقدم أنه توسل إلى ذلك بالانقطاع إلى عبادة اللّه تعالى والتوجه اليه في خلوته بغار حراء فقوي هنالك ايمانه ، وسما وجدانه ، فاتسع محيط تفكره ، وتضاعف نور بصيرته ، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البينات في ملكوت السماوات والأرض على وحدانية مبدع الوجود وسر النظام الساري في كل موجود ، بما صار به اهلا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، وما زال يفكر ويتأمل ، وينفعل ويتململ ، ويتقلب بين الآلام والآمال ، حتى أيقن انه هو النبي المنتظر ، الذي يبعثه اللّه لهداية البشر ، فتجلى له هذا الاعتقاد في الرؤى المنامية ، ثم قوي حتى صار يتمثل له الملك يلقنه الوحي في اليقظة وأما المعلومات التي جاءته في هذا الوحي فهي مستمدة الأصل من تلك المعلومات التي ذكرناها ، ومما هداه اليه عقله وتفكره في التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح ، ولكنها كانت تتجلى له نازلة من السماء ، وأنها خطاب الخالق عز وجل بواسطة الناموس الأكبر ملك الوحي جبريل الذي كان ينزل على موسى بن عمران وعيسى بن مريم وغيرهما من النبيين عليهم السّلام وقال أحد ملاحدة المصريين إن سولون الحكيم اليوناني وضع قانونا وشريعة لقومه فليس بدعا في العقل أن يضع محمد شريعة أيضا ، وسأبين فساد هذا الرأي