الشيخ محمد رشيد رضا

173

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كل ما ذكره درمنغام هنا فهو من مخترعات خياله ومبتدعات رأيه الا مسألة بحيرا الراهب فأصلها ما ذكرنا ، وكأنه لم يحفل باثباتها لما يعلمه من مفتريات رجال الكنيسة فيها فمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يذهب مع عمه إلى التجارة في الشام إلا وهو طفل كما تقدم وقد أعاده إلى مكة قبل إتمام رحلته . ثم سافر إليها في تجارة خديجة وهو شاب مرة واحدة ولم يتجاوز سوق بصرى في المرتين . والقوافل التي تذهب إلى الشام لم تكن تمر بمدين وهي في ارض سيناء . ولم تكن هذه القوافل تضيع شيئا من وقتها للبحث مع العرب أو الاعراب في طريقها عن أنبائها والتاريخ القديم لبلادها ، ولم يعرف عن تجارها انهم كانوا يعنون بلقاء أحبار النصارى ومباحثتهم في دينهم وكتبهم ، فمن أين جاء لدرمنغام أن محمدا هو الذي كان يشتغل في تلك التجارة بالبحث عن الأمم والتواريخ والكتب والأديان ويعني بلقاء رؤسائها والبحث معهم ؟ انما اخترع هذا لأنه لا يستطيع تعليل ما جاء في القرآن من قصص الرسل إلا به وكذلك الانباء بغلب الروم للفرس كما سيأتي . وسترى ما نفند به تعليله وتحليله وتركيبه على تقدير صحة ما زعمه كله ( 8 ) ثم ذكر درمنغام أن العرب ولا سيما أهل مكة كانوا يصرفون معظم أوقاتهم بعد ما يكون من تجارة أو حرب في الاستمتاع باللذات من السكر والتسري وغير ذلك ، وان التاريخ يشهد بان محمدا كان يراهم ولم يكن يشاركهم في ذلك لا لفقره وضيق ذات يده قال « لكن نفس محمد كانت شغفة بان ترى وأن تسمع وأن تعرف ، وكأن حرمانه من التعليم الذي كان يعلمه أنداده جعله أشد للمعرفة شوقا وبها تعلقا ، كما أن النفس العظيمة التي تجلت من بعد آثارها ، وما زال يغمر العالم سلطانها ، كانت في توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللهو الذي يطمح اليه أهل مكة - إلى نور الحياة المتجلي من كل مظاهر الحياة لمن هداه الحق إليها لاستكناه ما تدل هذه المظاهر عليه وما تحدث الموهوبين به » هذا الخبر من مخترعات درمنغام فمحمد لم يكن شغوفا بان يرى ما يفعله فساق قومه من فسق وفجور ، ولا أن يسمع ذلك ، ولا يتحرى أن يعرفه ، وقد ثبت عنه أنه لم يحضر سمرهم ولهوهم إلا مرتين ألقى اللّه عليه النوم في كل منهما حتى طلعت