الشيخ محمد رشيد رضا

15

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومن اتبعوهم محسنين في بعض الاعمال ومسيئين في بعض وهم المذنبون والآيات الآتية مبينة حال الفريقين هؤلاء الطبقات الثلاث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ في إيمانهم وإسلامهم واحسانهم ، وأعلاه ما كان من هجرتهم وجهادهم ، فقبل طاعاتهم ، وغفر سيئاتهم ، وتجاوز عن زلاتهم ، إذ بهم أعز الاسلام ، ونكل باعدائه من المشركين وأهل الكتاب وَرَضُوا عَنْهُ بما وفقهم له ، وأسبغه عليهم من نعمه الدينية والدنيوية ، فأنقذهم من شرك ، وهداهم من ضلال ، وأغناهم من فقر ، وأعزهم من ذل . وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ تقدم مثل هذا الوعد الكريم في الآية ( 72 ) وفي آيات أخرى ومعناه ظاهر ، وأي فوز أعظم من نعيم الجنة الخالد من بدني وروحاني ؟ قرأ الجمهور ( وَالْأَنْصارِ ) بالخفض عطفا على المهاجرين وقرأها يعقوب بالرفع عطفا على ( السَّابِقُونَ ) وروي عن الحسن البصري ، بل روي أيضا - وفيه نظر عندي - أن عمر ( رض ) قرأها كذلك مع جعل ( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ ) صفة للأنصار وأنكر على رجل قرأها بالخفض فأخبره انه تلقاها عن أبي بن كعب كاتب الوحي وجامع القرآن ، فسأل عمر أبيا فصدقه وأخبره انه هكذا سمعها من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي رواية انها هكذا أنزلها اللّه على جبريل ونزل بها جبريل على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال عمر : لقد كنت أرى انا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا - يعني المهاجرين الأولين - فقال أبي : تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ولفظ الاتباع فيها نص في الصحابة المتأخرين الذين اتبعوا الأولين من المهاجرين والأنصار في صفتيهم : الهجرة والنصرة ، وهو بصيغة الماضي فلا يدخل في عمومه التابعون الذين تلقوا الدين والعلم من الصحابة ولم ينالوا شرف الصحبة والهجرة والنصرة وتسمية هؤلاء بالتابعين اصطلاحية حدثت بعد نزول القرآن وانتقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الرفيق الاعلى