الشيخ محمد رشيد رضا

129

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الباب الخامس ( في شؤون الكفار والمنافقين وحكم الاسلام عليهم وسياسته فيهم وفيه فصول ) ( الفصل الأول في ذم القرآن للكفار والمنافقين ونزاهته فيه عن السب والشتم ) ( تنبيه وتمهيد ) الذم الوصف بالقبيح ، والسب والشتم ما يقصد به التعبير والتشفي من الذم سواء كان معناه صحيحا واقعا أو افكا مفترى ، والقرآن منزه عن ذلك ، قال تعالى ( 8 : 108 وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) فنهى عن سب آلهة الكفار ومعبوداتهم ومنها الأصنام ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان » رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث عياض بن حمار بسند صحيح . فما في القرآن من ذم الكفار والمنافقين بيان لحقيقة حالهم وقبح أعمالهم ، وما يعقبها من الفساد والضرر بهم وسخط اللّه تعالى عليهم ، واستحقاقهم لعقابه ، وبعدهم من رحمته وثوابه ، بقصد الانذار والوعظ ، لأجل التنفير والزجر ، ولذلك تراها موجهة إليهم بوصفهم أو إلى وصفهم العام : المشركين ، الكافرين ، المنافقين ، الفاسقين ، الظالمين ، المجرمين ، المفسدين . أو الخاص بطائفة منهم كبعض الأحبار والرهبان لا كلهم دون الاشخاص المعينين بأسمائهم وألقابهم ، مهما يكن من شدة كفرهم وايذائهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين كعبد اللّه ابن أبي بن سلول رئيس المنافقين الذي كان شرهم وأجرأهم على الضرر ، فقد كان ضرره في المدينة أشد من ضرر أئمة الكفر والشرك في مكة ( كأبي جهل ) ومن اطلع على شيء من هجاء العرب وسبابهم البذيء وقذعهم الفاحش أدرك نزاهة القرآن ، وعلوه عن مثل بذاءتهم في الكلام ويستثنى من هذه القضية الكلية في ذم الشخص المعين من أعداء الاسلام والرسول ( ص ) ما نزل في ذم أبي لهب وامرأته في سورة وجيزة لما بيناه من حكمة ذلك في قصة إبراهيم مع أبيه آزر والاستطراد إلى آباء الأنبياء وأولي قرباهم « تفسير القرآن الحكيم » « 17 » « الجزء الحادي عشر »