الشيخ محمد رشيد رضا

123

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( الفصل الثاني في أحكام القتال والمعاهدات والصلح وهي 20 حكما ) ( الحكم الأول ) البراءة من المشركين ونبذ عهود المعاهدين منهم ، ذلك أن مشركي مكة قد ناصبوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العداوة منذ دعا إلى التوحيد وتبعهم سائر العرب فكانوا حربا له ولمن آمن به يقتلون كل من ظفروا به منهم أو يعذبونه إذا لم يكن له من يحميه من المشركين ، ولما هاجروا من مكة صاروا يقاتلونهم في دار هجرتهم وكان اللّه ينصر رسوله والمؤمنين عليهم كما وعده . حتى إذا ما كثروا وصارت لهم شوكة اضطر المشركون إلى عقد أول صلح معهم في الحديبية فعاهدوهم سنة ست للهجرة على السلم والأمان مدة عشر سنين ولم تلبث قريش مع أحلافها من بني بكر أن غدروا ونقضوا العهد ، فكان ذلك سببا لفتح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة سنة ثمان ، ثم جمع المشركون جموعهم لقتاله في حنين والطائف فنصره اللّه عليهم ، وأمره في السنة التالية بأن ينبذ للمشركين عهودهم ويتبرأ منهم في موسم الحج ( ص 19 ج 10 ) ( الثاني ) أذان المشركين ( إعلامهم ) بذلك أذانا عاما في يوم الحج الأكبر وهو عيد النحر الذي تجتمع به وفود الحاج من جميع القبائل في منى بحيث يعم هذا البلاغ جميع قبائل العرب في أقرب وقت ، لان الاسلام يحرم الغدر وأخذ المعاهدين على غرة فكان لا بد من اعلامهم بذلك بما ينتشر في جميع قبائلهم ، وكانت تلك الوسيلة الوحيدة لعلم كل فرد منهم بعود حالة الحرب بينهم وبين المسلمين ، وهذا من عدل الاسلام ورحمته لان المشركين لم تكن لهم دولة ولا رئيس عام يبلغهم ما يتعلق بشؤونهم ومصالحهم العامة فيكتفى بابلاغه مثل هذا كما هو المعهود في الدول الملكية أو الجمهورية المدنية ، ولم يكن في عصرهم صحف منشرة عامة ولا آلات للاخبار البرقية تنشر مثل هذا البلاغ ( الثالث ) منحهم هدنة أربعة اشهر يسيحون في الأرض حيث شاؤوا آمنين مطمئنين أحرارا في سيرهم وإقامتهم وسائر اعمالهم الدينية والدنيوية ليترووا في امرهم ، ويتشاوروا في عاقبتهم . وفي هذا من رحمة القادر بعدوه ما يفتخر به المسلمون بحق - وهذه الأحكام صريحة في الآيات الثلاث الأولى من السورة ( ص 149 ج 10 ) ( الرابع ) وعظهم بأنهم إن تابوا من شركهم وما يغريهم به من عداوة المؤمنين