الشيخ محمد رشيد رضا

10

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولهذا قال الضحاك : يعني بالمغرم انه لا يرجو ثوابا . عند اللّه ولا مجازاة وانما يعطي ما يعطي من الصدقات كرها . وعن ابن زيد انما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرما [ قال ] وهم بنو أسد وغطفان وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ اي ينتظرون دوائر الزمان اي تصاريفه ونوائبه التي تدور بالناس وتحيط بهم بشرورها أن تنزل بكم فتبدل قوتكم ضعفا ، وعزكم ذلا ، وانتصاركم هريمة وكسرا ، فيستربحوا من أداء هذه المغارم لكم ، بالتبع للخروج من طاعتكم ، ولاستغناء عن اظهار الاسلام نفاقا لكم ، كانوا أولا يتوقعون ظهور للشركين واليهود على المؤمنين ، فلما يئسوا من ذلك صاروا ينتظرون موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويظنون أن الاسلام يموت بموته صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله . وهكذا يعلل الجاهل الضعيف نفسه الخبيثة بالأماني والأوهام وإذا كان منافقو المدينة الذين هم أجدر من هؤلاء الاعراب أن يعلموا ما في الاسلام من القوة الذاتية ، وما في اعتصام المؤمنين الصادقين به من القوة الحربية ، كانوا يتربصون بالمؤمنين الهزيمة من الروم في تبوك ، وكانوا إن أصاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مصيبة مما لا يخلو عنه البشر يفرحون ويقولون ( قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ ) أي احتطنا لهذه العاقبة قبل وقوعها ، فهل يستغرب مثل هذا التربص من الاعراب سكان البادية الذين يجهلون ما ذكر ؟ ( راجع تفسير الآيات 50 - 54 من هذه السورة ) عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ دعاء عليهم بما يتربصونه بالمؤمنين ، أو خبر بحقيقة حالهم معهم ، ومآل الاحتمالين واحد ، لان الخبر في كلامه تعالى حق ومضمونه كمضمون الدعاء واقع ، ماله من دافع ، والدعاء منه عز وجل يراد به مآله وهو وقوع السوء عليهم واحاطته بهم . والسوء بالفتح في قراءة الجمهور وهو مصدر ساءه الامر ضد سره ، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ههنا وفي سورة الفتح بالضم وهو اسم لما يسوء . والإضافة : كرجل صدق وقدم صدق . وتقديم الخبر يفيد الحصر أي عليهم وحدهم الدائرة السوءى تحيط بهم دون المؤمنين الذين يتربصونها بهم ، فان هؤلاء لا عاقبة لهم تتربص بهم إلا ما يسرهم ويفرحهم من نصر اللّه