الشيخ محمد رشيد رضا

29

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لئلا تصل إليهم الملائكة الملابسة للمؤمنين وهما ضدان لا يجتمعان ولو اجتمعا لقضى أقواهما وهم الملائكة على أضعفهما ، فخوف الشيطان انما كان من إحراق الملائكة لجنوده لا على المشركين كما يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وقد بينا في مواضع من هذا التفسير وغيره ان العوالم الروحية الخفية كعوالم العناصر المادية منها المؤتلف والمختلف ، ومنها ما يتحد بغيره فيتألف منهما حقيقة واحدة كحقيقة الماء والهواء ، ومنها ما لا يتحد بعضه ببعض ولا يجتمعان في حيز واحد ( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ ، وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ * وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) وعن ابن عباس قول آخر هو ان الشيطان تمثل في صورة سراقة بن مالك ابن جعشم سيد بني مدلج وقال للمشركين ما قصته الآية الكريمة أولا واخرا . قال ابن إسحاق حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ان إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فلما حضر القتال ورأى الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ، فتشبث به الحارث بن هشام فنخر في وجهه فخر صعقا ، فقيل له ويلك يا سراقة على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا ؟ فقال ( إني بريء منكم ) الخ وروى عنه علي بن أبي طلحة ما أوله مثل رواية ابن جرير إلا أنه زاد « في صورة رجل من بنى مدلج » وذكر فيها أنه رأى رمي النبي ( ص ) المشركين بقبضة التراب فهزيمتهم منها ثم قال : فأقبل جبريل عليه السّلام إلى إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته ، فقال الرجل يا سراقة أتزعم انك لنا جار ؟ فقال ( إني أرى ما لا ترون ) الخ ( أقول ) أما الكلبي فروايته التفسير عن ابن عباس هي أو هي الروايات وأضعفها كما قال المحدثون . قالوا فان انضم إليها رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب . وأما علي بن أبي طلحة فروايته عنه أجود لروايات إلا أنهم أجمعوا على أنه لم يسمع منه وانما أخذه عن مجاهد أو سعيد ابن جبير ولا خلاف في كونهما من الثقات أئمة هذا الشأن ولكن ابن عباس كان يوم بدر