الشيخ محمد رشيد رضا
89
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« مهما » اسم شرط يدل على العموم ، والمعنى إنك إن تجئنا بكل نوع من أنواع الآيات التي تستدل بها على حقية دعوتك لأجل ان تسحرنا بها اي تصرفنا بها بدقة ولطف في التأثير عما نحن عليه من ديننا ومن تسخيرنا لقومك في خدمتنا وضرب اللبن لمبانينا - فما نحن لك بمصدقين ، ولا لرسالتك بمتبعين * * * فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ اي فأنزلنا عليهم هذه المصائب والنكبات حال كونها آيات بينات على صدق رسالة عبدنا موسى بأن توعدهم بها قبل وقوع كل واحدة منها تفصيلا لا إجمالا ، لتكون دلالتها على صدقه واضحة لا تحتمل التأويل بأنها وقعت بأسباب لها لا دخل لرسالته فيها - فاستكبروا عن الايمان به استكبارا ، مع اعتقاد صحة رسالته وصدق دعوته باطنا ، وكانوا قوما راسخين في الاجرام والذنوب مصرين عليها فلا يهون عليهم تركها جاء في سورة الإسراء - أو بني إسرائيل - أن اللّه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات وقد عد هنا منها خمسا وهي مذكورة في التوراة على غير هذا الترتيب وهو غير مراد وعطف بعضها على بعض بالواو لا يقتضيه : فأما الطوفان فمعناه في اللغة ما طاف بالشيء وغشيه وغلب في طوفان الماء سواء كان من السماء أو الأرض وكذا كل ما ينزل من السماء بكثرة تغشي الأرض قال ابن كثير اختلفوا في معناه فمن ابن عباس في روايات كثيرة : الأمطار المغرقة المتلفة للزرع والثمار وبه قال الضحاك بن مزاحم ، وعن ابن عباس رواية أخرى هو كثرة الموت وكذا قال عطاء ، وقال مجاهد الطوفان الماء والطاعون على كل حال ، وقال ابن جرير : حدثنا ابن هشام الرفاعي حدثنا يحيى بن هيمان حدثنا المنهال بن خليفة عن الحجاج عن الحكم بن ميناء عن عائشة ( رض ) قالت قال رسول اللّه ( ص ) « الطوفان الموت » وكذا رواه ابن مردويه من حديث يحيى بن هيمان به وهو حديث غريب . وقال ابن عباس في رواية أخرى هو أمر من اللّه طاف بهم ثم قرأ ( فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ) اه أقول أما حديث عائشة المرفوع فهو ضعيف لا يثبت بمثله قول مخالف للمتبادر من اللغة - فيحيى بن هيمان الذي انفرد به هو الكوفي العجلي كان