الشيخ محمد رشيد رضا

87

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تكفي للقوت وان كان منها النخيل والأعناب ؟ وجهان . ونقص الثمرات نص على شدة الضيق في كل حال ، وهذا إجمال يفسره قوله تعالى ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ) وما هو ببعيد وجملة معنى الآية أنه تعالى أخذ آل فرعون بالجدب وضيق المعيشة لعلهم يتذكرون ضعفهم أمام قوة اللّه وعجز ملكهم الجبار المتغطرس وعجز آلهتهم ولعلهم إذا تذكروا اعتبروا واتعظوا فرجعوا عن ظلمهم لبني إسرائيل وأجابوا دعوة موسى عليه السّلام ، فان الشدائد من شأنها أن ترقق القلوب وتهذب الطباع وتوجه الأنفس إلى مرضاة رب العالمين والتضرع له دون غيره من المعبودات التي اتخذت في الأصل وسائل اليه وشفعاء عنده ، ثم صار ينسى في وقت الرخاء لأنه غيب لا يرى وتذكر هي لأنها مشاهدة مجانسة لعابديها بل هي أو أكثرها دونهم لو كانوا يعقلون ، فإذا بلغ الشرك من الناس ان ينسوا اللّه تعالى حتى في أوقات الشدائد فذلك هو الضلال البعيد * * * كذلك كان دأب آل فرعون بعد إنذار موسى إياهم فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ من خصب ورخاء وهو العالب قالُوا لَنا هذِهِ دون غيرنا ونحن المستحقون لها بما لنا من التفوق على الناس وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أي وان اتفق ان أصابتهم سيئة أي حالة تسوءهم كجدب أو جائحة أو مصيبة أخرى في الأبدان أو الارزاق تشاءموا بموسى ومن معه من الأنصار كأخيه هارون أو جميع قومه ويرون أنهم انما أصيبوا بشؤمه وشؤمهم ، ويغفلون عن سيئات أنفسهم وظلمهم لقوم موسى لان هذا عندهم من الحقوق ، كما هو شأن الإفرنج في ظلمهم لمن يستضعفونهم من أهل الشرق أصل يطيروا يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء وسبب استعمال التطير بمعنى التشاؤم أن العرب كانت تتوقع الخير والشر مما تراه من حركة الطير حتى أنها تزجرها إذا لم تمر من تلقاء نفسها فإذا طارت من جهة اليمين تيمنت أي رجت وقوع اليمن والبركة والخير - وإذا طارت من جهة الشمال تشاءمت وتوقعت الشر والمصيبة ، ويسمى الطائر الأول السانح والآخر البارح ، ثم إنهم سموا الشؤم طيرا وطائرا والتشاؤم تطيرا ، ولذلك قال تعالى في رد خرافتهم أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ابتدأ الرد عليهم