الشيخ محمد رشيد رضا

662

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن عصابة * ثلاث مئين ان كثرنا فأربع وقال الحكم بن عتيبة في الآية : نزلت في أبي سفيان أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية من ذهب وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالا ، هذا على ما كان معروفا من بخل أبي سفيان كما قالت زوجته يوم المبايعة لرسول اللّه ( ص ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الاسلام واتباع خاتم الرسل عليه الصلاة والسّلام فَسَيُنْفِقُونَها في سبيل الشيطان صدا وفتنة وقتالا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وندما وأسفا ، لذهابها سدى ، وخسرانها عبثا ، إذ لا يطيعهم ممن أراد اللّه هدايتهم أحد ثُمَّ يُغْلَبُونَ المرة بعد المرة ، وينكسرون الكرة بعد الكرة وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ أي يساقون يوم القيامة إليها دون غيرها كما افاده تقديم الظرف على متعلقه . هذا إذا أصروا على كفرهم حتى ماتوا عليه ، فيكون لهم شقاء الدارين وعذابهما . ومن العبرة في هذا للمؤمنين أنهم أولى من الكفار ببذل أموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه لان لهم بها من حيث جملتهم سعادة الدارين ، ومن حيث افرادهم الفوز بإحدى الحسنيين « 1 » هكذا كان في كل زمان قام المسلمون فيه بحقوق الاسلام والايمان ، وهكذا سيكون ، إذا عادوا إلى ما كان عليه سلفهم الصالحون . والكفار في هذا الزمان ينفقون القناطير المقنطرة من الأموال للصد عن الاسلام ، وفتنة الضعفاء من العوام ، بجهاد سلمي ، أعم من الجهاد الحربي ، وهو الدعوة إلى أديانهم ، والتوسل إلى نشرها بتعليم أولاد المسلمين في مدارسهم ، ومعالجة رجالهم ونسائهم في مستشفياتهم . والمسلمون مواتون ، يرسلون أولادهم إليهم ولا يبالون ما يعملون ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) * * * * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ يعني أن اللّه تعالى كتب النصر والغلب والفوز لعباده المؤمنين المتقين ، والخذلان والحسرة لمن يعاديهم ويقاتلهم من الكافرين للصدّ عن سبيل اللّه الذي استقاموا عليه ، وجعل هذا جزاء كل من الفريقين

--> ( 1 ) الغنيمة أو الشهادة