الشيخ محمد رشيد رضا
656
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا ) الخ واسناده إلى الجمع اسناد ما فعله رئيس القوم إليهم اه والمعنى اللهم إن كان هذا القرآن وما يدعو اليه هو الحق منزلا من عندك ليدين به عبادك كما يدعي محمد ( ص ) فافعل بنا كذا وكذا - اي انهم لا يتبعونه وان كان هو الحق المنزل من عند اللّه لأنه نزل على محمد بن عبد اللّه الذي يلقبونه بابن أبي كبشة بل يفضلون الهلاك بحجارة يرجمون بها من السماء أو بعذاب اليم آخر يأخذهم على اتباعه ، ومن هذا الدعاء علم أن كفرهم عناد وكبرياء وعتوّ وعلو في الأرض لا لان ما يدعوهم اليه باطل أو قبيح أو ضار ، روى أن معاوية قال لرجل من سبأ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ؟ فقال أجهل من قومي قومك حين قالوا ( اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) ولم يقولوا فاهدنا له اه وما يحكيه القرآن من أقوال المشركين وغيرهم قد يكون بالمعنى دون نص اللفظ كما هو المعتاد بين الناس ، وقد يكون نظمه مع أدائه للمعنى بدون اخلال مما يعجز المحكي عنهم عن مثله ، وقد يتعين هذا في الكلام الطويل الذي يتحقق بمثله الاعجاز * * * قال تعالى ردا عليهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ أي وما كان من شأن اللّه تعالى وسنته ، ولا من مقتضى رحمته ولا حكمته ، ان يعذبهم وأنت أيها الرسول فيهم وهو انما أرسلك رحمة للعالمين ونعمة ، لا عذابا ونقمة ، بل لم يكن من سنته أيضا ان يعذب أمثالهم من مكذبي الرسل وهم فيهم بل كان يخرجهم منهم أولا كما قال ابن عباس وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ هذا النوع من العذاب السماوي الذي عذب بمثله الأمم فاستأصلهم أو مطلقا وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي في حال هم يتلبسون فيها باستغفاره تعالى بالاستمرار روى الشيخان من حديث انس قال أبو جهل ( اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ ) - الآية - فنزلت ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) إلى قوله ( وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ) الآية قال الحافظ في شرح الحديث من الفتح روى ابن جرير من طريق زيد بن رومان انهم قالوا ذلك ثم لما أمسوا ندموا فقالوا غفرانك اللهم فأنزل اللّه ( وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ان معنى قوله ( وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) اى من سبق له من اللّه انه يؤمن وقيل المراد من كان بين أظهرهم حينئذ