الشيخ محمد رشيد رضا

653

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فلم يبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيته تلك الليلة وأذن اللّه له عند ذلك في الخروج وأمرهم بالهجرة وافترض عليهم القتال فأنزل اللّه ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ) فكانت هاتان الآيتان أول ما أنزل في الحرب وأنزل بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الآية اه وسائر خبر الهجرة معروف * * * ثم ذكر تعالى مكابرة من مكابرات هؤلاء المشركين المعاندين الماكرين قالها بعضهم فأعجبت أمثاله منهم فرددوها فعزيت إليهم على الاطلاق وهي وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا المنزلة في القرآن ، الذي يعجز عن مثله الثقلان ، فيما أودع من علم وحكمة وتشريع وقصص وبيان ، وماله من التأثير في نفس كل انسان ، بقدر ما أوتي من بلاغة وعقل وقلب ووجدان قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا نقل هذا القول جمهور رواة التفسير المأثور عن النضر بن الحارث من بني عبد الدار وعلل هذه الدعوى الكاذبة بما هو أكذب منها وهو قوله إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي قصصهم وأحاديثهم التي سطرت في الكتب على علاتها وما هو بوحي من عند اللّه تعالى . قال المبرد في أساطير : هي جمع أسطورة كأرجوحة وأراجيح وأثفية وأثافي وأحدوثة وأحاديث وفي القاموس الأساطير الأحاديث لا نظام لها جمع أسطار وأسطير وأسطور وبالهاء في الكل . وأصل السطر الصف من الشيء كالكتاب والشجر اه . قال المفسرون وكان النضر هذا يختلف إلى أرض فارس فيسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار وكبار العجم ويمر باليهود والنصارى فيسمع منهم التوراة والإنجيل ، كأنهم يعنون أن أخبار القرآن عن الرسل وأقوامهم اشتبهت عليه بقصص أولئك الأمم فقال إنه يستطيع أن يأتي بمثلها فما هي من خبر الغيب الدال على أنه وحي من اللّه . ولعله أول من قال هذه الكلمة فقلده فيها غيره ، ولم يكونوا يعتقدون أنها أساطير مختلقة ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي افتراها ، فإنهم لم يكونوا يتهمونه بالكذب كما نقل عن كبار طواغيتهم ومنهم النضر بن الحارث ، وقد قال تعالى في ذلك ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) بل كانوا يوهمون عامة العرب أنه اكتتبها وجمعها كما في آية الفرقان ( 25 : 5 وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) أي ليحفظها ولم يكن كبراء مجرمي قريش ولا أهل مكة يعتقدون هذا أيضا