الشيخ محمد رشيد رضا

648

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أشهر الكتب الإلهية وهي التوراة والإنجيل والقرآن وغلب على القرآن ( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) لان كلام اللّه تعالى يفرق في العلم والاعتقاد بين الايمان والكفر والحق والباطل ، وفي الاحكام بين العدل والجور ، وفي الاعمال بين الصحيح والفاسد والخير والشر . وأطلق هذا اللفظ على يوم بدر كما سيأتي في هذه السورة مع بيان وجهه ومتعلق فصله وتفرقته فقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً معناه إن تتقوا اللّه في كل ما يجب أن يتقى بمقتضى دينه وشرعه ، وبمقتضى سننه في نظام خلقه ، يجعل لكم بمقتضى هذه التقوى ملكة من العلم والحكمة تفرقون بها بين الحق والباطل ، وتفصلون بين الضار والنافع ، وتميزون بين النور والظلمة ، وتزيّلون بين الحجة والشبهة . وقد روي عن بعض مفسري السلف تفسير الفرقان هنا بنور البصيرة الذي يفرق بين الحق والباطل وهو عين ما فصلناه من الفرقان العلمي الحكمي ، وعن بعضهم بالنصر يفرق بين المحق والمبطل ، بما يعز المؤمن ويذل الكافر ، وبالنجاة من الشدائد في الدنيا ومن العذاب في الآخرة . وهذا من الفرقان العملي الذي هو ثمرة العلمي ذكر كل ما رآه مناسبا لحال وقته أو حال من لقنه ذلك ، ولم يقصد تحديد المدلول اللغوي ، ولا المعنى الكلي الذي هو ثمرة التقوى بأنواعها ، وهذا النور في العلم الذي لا يصل اليه طالبه الا بالتقوى هو الحكمة التي قال اللّه فيها ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) فهو كعهد اللّه في إمامة الناس بالحق لا ينال الظالمين لأنفسهم بالتقليد لغيرهم لاحتقارها في جنب اطرائهم لمقلديهم ، بل هم لا يطلبونه ولا يقصدون الوصول اليه لأنهم صدقوا بعض الجاهلين في ادعائهم اقفال بابه ، وكثافة حجابه ، بل أصحابه هم الأئمة المجتهدون في الشرع والدين والواضعون للعلوم التي تنفع الناس ، وكان لشيخنا الأستاذ الامام حظ عظيم منه أمر اللّه تعالى في مواضع كثيرة من كتابه باتقائه وباتقاء النار وباتقاء الشرك والمعاصي وباتقاء الفتن العامة في الدول والأمم وتقدم في وصايا هذا السياق - وباتقاء الفشل والخذلان في الحرب وباتقاء ظلم النساء ، وبين ان العاقبة في إرث الأرض