الشيخ محمد رشيد رضا
647
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 29 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ هذه الآية آخر وصايا المؤمنين في هذا السياق وهي أعمها ، والأصل الجامع لها ولغيرها ، وكلمة الفرقان فيها كلمة جامعة ككلمة التقوى في مجيئها منا مطلقة ، فالتقوى هي الشجرة ، والفرقان هو الثمرة ، وهو صيغة مبالغة من مادة الفرق ومعناها في أصل اللغة الفصل بين الشيئين أو الأشياء والمراد بالفرقان هنا العلم الصحيح والحكم الحق فيها ، ولذلك فسروه بالنور ، وذلك أن الفصل والتفريق بين الأشياء والأمور في العلم هو الوسيلة للخروج من حيز الاجمال إلى حيز التفصيل ، وإنما العلم الصحيح هو العلم التفصيلي الذي يميز بين الأجناس والأنواع والأصناف والاشخاص ، وإن شئت قلت بين الكليات والجزئيات ، والبسائط والمركبات ، والنسب بين أحزاء المركبات ، من الحسيات والمعنويات ، ويبين كل شيء من ذلك ويعطيه حقه الذي يكون به ممتازا من غيره . وإيراد الأمثلة على ذلك يطول فيشغل عن القدر المحتاج اليه في تفسير لفظ الفرقان إلا أن نترك عوالم المادة وقواها ونأتي بمثال من اللغة لان لفظ الفرقان من مفرداتها فنقول إن العامي يعلم من اللغة أمرا إجماليا وهو أنها ألفاظ يعبر بها الانسان عما يحتاج إلى بيانه من علمه ، ومن العلم التفصيلي فيها ما هو مبين في علم النحو والصرف وفي علوم المعاني والبيان والبديع والوضع والاشتقاق وأصول الفقه - كالعام والخاص والمطلق والمقيد من الأخير مثلا - وأنت ترى انك بهذا البيان الوجيز لمعنى الفرقان قد اتضح لك من دلالته على العلم الصحيح والحكم الرحيح ما كان خفيا ، وفصل منها ما كان مجملا ولذلك نعده من تفسير اللفظ لا استطرادا أجنبيا ، ولا سيلا أتيا ، كأكثر الذي يأتيه أكثر المفسرين من مباحث النحو وفنون البلاغة وغيرها . وكما يكون الفرقان في مسائل العلوم وموادها من طبيعية وعقلية ولغوية ، وفي الموجودات التي استنبطت العلوم منها يكون في الاحكام والشرائع والأديان ، وفي الحكم بين الناس في المظالم والحقوق وفي الحروب ، وقد أطلق الفرقان على