الشيخ محمد رشيد رضا
645
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويجزيهم بما يترتب على فتنتهم من اتباع الحق أو الباطل ، وعمل الخير أو الشر ، وقد تقدم الكلام في الفتنة مرارا من وجوه . وفتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذي فهم إلا أن الافهام تتفاوت في وجوهها وطرقها ، فأموال الانسان عليها مدار معيشته وتحصيل رغائبه وشهواته ودفع كثير من المكاره عنه ، فهو يتكلف في كسبها المشاق ويركب الصعاب ، ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام ، ويرغبه في القصد والاعتدال ، ثم إنه يتكلف العناء في حفظها ، وتتنازعه ، الأهواء المتناوحة في انفاقها ، فالشرع يفرض عليه فيها حقوقا مقدرة وغير مقدرة ، ومعينة وغير معينة ، ومحصورة وغير محصورة ، كالزكاة ونفقات الأزواج والأولاد وغيرهم ، وكفارات بعض الذنوب المعينة من عتق وصدفة ونسك وغير ذلك . ويندب له نفقات أخرى للمصالح العامة والخاصة تكفر الذنوب غير المعينة ، ويترتب عليه شيء عظيم من الأجر والثواب . والضابط لجميع أنواع البذل من صفات النفس السماحة والسخاء من أركان الفضائل ، ولجميع أنواع الامساك البخل وهو من أمهات الرذائل ، ولكل منهما درجات ودركات . وأما الأولاد فهم كما يقول الأدباء : ثمرة الفؤاد وأفلاذ الأكباد ، وحبهم كما قال الأستاذ الامام : ضرب من الجنون يلقيه الفاطر الحكيم في قلوب الأمهات والآباء ، يحملهما على بذل كل ما يستطاع بذله في سبيلهما من مال وصحة وراحة وغير ذلك ، بل روى أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى سيد الحكماء وخاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وسلّم « الولد ثمرة القلب وإنه مجبنة مبخلة محزنة » فإن كان سنده ضعيفا كما قالوا فمتنه صحيح ، فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام في سبيل تربيتهم والانفاق عليهم وتأثيل الثروة لهم : يحملهما ذلك على الجبن عند الحاجة إلى الدفاع عن الحق أو الحقيقة ، أو الملة والأمة ، وعلى البخل بالزكاة والنفقات المفروضة ، والحقوق الثابتة ، دع صدقات التطوع والضيافة ، كما يحملهما الحزن على من يموت منهم على السخط على الرب تعالى والاعتراض عليه وغير ذلك من المعاصي كنوح الأمهات وتمزيق ثيابهن ولطم وجوههن ، ففتنة الأولاد لها جهات كثيرة فهي أكبر من فتنة الأموال وأكثر تكاليف مالية ونفسية وبدنية ، فالرجل يكسب الحرام