الشيخ محمد رشيد رضا

639

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمجوس وغيرهم ، وأعقبت فتنة الجمل وصفين ، ثم فتنة ابن الزبير مع بني أمية ثم قتلهم الحسين عليه السّلام الخ . ولو تداركوها كما تدارك أبو بكر ( رض ) عنه الردة لما كانت فتنة تبعتها فتن كثيرة لا يزال المسلمون مصابين بها ومعذبين بعذابها وأكبرها فتن الخلافة والملك وفتن افتراق المذاهب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن خالف سننه في الأمم والافراد التي لا تبديل لها ولا تحويل ، ولمن خالف هداية دينه المزكية للأنفس وقطعيات شرعه المبنية على درء المفاسد والمضار وحفظ المصالح والمنافع . وهذا العقاب منه ما يقع في الدنيا والآخرة ومنه ما يقع في إحداهما فقط ، سواء كان للأفراد أو للأمم ، وعقاب الأمم المذكور في هذه الآية مطرد في الدنيا ، وأول من أصابه من أمتنا الاسلامية أهل القرن الأول الذي كانوا خيرها بل خير الأمم كلها ولكنهم لما قصروا في درء الفتنة الأولى عاقبهم اللّه عليها عقابا شديدا كما تقدم آنفا ، وهكذا تسلسل العقاب في كل جيل وقع فيه ذلك ، ثم امتزجت الفتن المذهبية بالفتن السياسية الخاصة بالخلافة والسلطان ، ولهذا كانت فتنة الخلاف بين أهل السنة والشيعة أشد مصائب هذه الأمة وأدومها ، فزالت الخلافة التي تنازعوا عليها ، وتنافسوا فيها ، وتقاتلوا لأجلها ، ولم تزل هي تزداد قوة وشبابا ، وقد شرحنا هذا الموضوع في مواضع من مجلة المنار * * * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ قيل إن الخطاب للمهاجرين يذكرهم بما كان من ضعفهم وقلتهم بمكة - وقيل إنه للمؤمنين كافة في عهد نزول السورة يذكرهم بما كان من ضعف أمتهم العربية في جزيرتهم بين الدول القوية من الروم والفرس ، ولا مانع فيه من إرادة هذا وذاك معا . فقوله تعالى تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ أي تخافون من أول الاسلام إلى وقت الهجرة أن يتخطفكم مشركو قومكم من قريش وغيرها من العرب ، أي أن ينتزعوكم بسرعة فيفتكوا لكم - كما كان يتخطف بعضهم بعضا خارج الحرم وتتخطفهم الأمم من أطراف جزيرتهم . قال تعالى في أهل الحرم ( أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ