الشيخ محمد رشيد رضا
636
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اثبات كون ضلاله على علم وهو انه متعمد لاتباع الهوى ، مؤثرا له على الهدى ، واللّه تعالى بسند الأمور إلى أسبابها تارة واليه تعالى تارة من حيث إنه خالق كل شيء وواضع سنن الأسباب والمسببات . ومن الأسباب ما جعله من أفعال المخلوقات الاختيارية على علم ، وما جعله بأسباب لا يعلم للخلق اختيار فيها ولا علم ، وكل من القسمين يسند إلى سببه تارة وإلى رب الأسباب تارة والجهة مختلفة معروفة ، ويختار هذا أو ذاك في البيان بحسب سياق الكلام كقوله تعالى في الحرث ( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ؟ ) فهل يقول عاقل ان الفلاح لا فعل له ولا اختيار في زرعه ، وان اللّه يخلقه له بدون إرادته ولا فعله ، أو ان فعله وتركه في أرضه سواء ، وتلقيحه لنخله وعدمه سيان ؟ وجملة القول إن من سننه تعالى في البشر ان من يتبع هواه في أعماله ويستمر على ذلك ويدمنه الزمن الطويل تضعف إرادته في هواه ، حتى تذوب وتفنى فيه ، فلا تعود تؤثر فيه المواعظ القولية ، ولا العبر المبصرة ولا المعقولة ، وهذه الحالة يعبر عنها بالختم والرين والطبع على القلب ، وبالصمم والعمى والبكم كما تقدم آنفا ، وسبق مثله في تفسير سورة البقرة وغيرها ، وأمثال هذه الأمثال المضروبة لهذه الحالة قد ضل بها الجبرية غافلين عن كونها عاقبة طبيعية لادمان تلك الأعمال الاختيارية ، كالخمار الذي يعتري مدمن الخمر ، فيشعر بفتور وألم عصبي لا يسكن إلا بالعودة إلى الشرب ، على أن هذه الآية علمتنا عدم اليأس ومن تفسير القرآن بالقرآن في تقليب القلوب والحيلولة بينها وبين إرادة الانسان المتصرفة في قدرته ومشاعره قوله تعالى من سورة الأنعام ( 6 : 109 وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ . وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) فيراجع معناها في آخر تفسير الجزء السابع ، وقال الراغب : تقليب اللّه القلوب صرفها من رأي إلى رأي . وذكر آية الانعام هذه ومن تفسير الآية المأثور في السنة ما رواه ابن مردويه في تفسيرها عن ابن عباس مرفوعا « يحول بين المؤمن وبين الكفر ، وبين الكافر وبين الهدى » وسنده ضعيفا