الشيخ محمد رشيد رضا
629
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مبارزة له بالعداوة من أول وهلة خوفا من سلطانه على القلوب أن يغلبهم عليها كالذين قال اللّه فيهم ( 41 : 26 وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ويليها من يستمع وهو لا ينوي أن يفهم ويعلم كالمنافقين المشار إليهم في آية سورة القتال ( 47 : 17 ) وذكرت في هذا السياق - ويليها من يستمع لأجل التماس شبهة للطعن والاعتراض ، كما كان يفعل المعاندون من المشركين وأهل الكتاب ، وكما يفعل في كل وقت مرتزقة دعاة النصرانية وغيرهم إذا استمعوا للقرآن أو نظروا فيه - ويليها أن يسمع ليفهم ويعلم ثم يحكم للكلام أو عليه وهذه الدرجات كلها لغير المؤمنين به والمنصف منهم الفريق الأخير وكم آمن منهم من تأمل وفهم : نظر طبيب إفرنسي معاصر في ترجمة القرآن فرأى أن كل ما يتعلق بالطب والمحافظة عن الصحة منه - كالطهارة والاعتدال وعدم الاسراف - موافق لأحدث المسائل التي استقر عليها رأي الأطباء في هذا العصر ، فرغبه ذلك في تأمله كله فأسلم . . . ونظر ( مستر براون ) وهو ربّان بارج من الانكليز في ترجمة مستر سايل الانكليزية له فاستقصى فيه الكلام عن البحار والرياح فظن أن النبي ( ص ) كان من أكبر رباني الملاحين فسأل عنه فقيل له انه لم ير البحر قط وكان مع ذلك أميا لم يقرأ كتابا ، ولا تلقى عن أحد درسا ، ( قال ) فعلمت ان هذا كان بوحي من اللّه لأنه حقائق لم يعلمها من اختباره بنفسه ، ولا بتلقيه عن غيره من المختبرين ، وقد أسلم وتعلم العربية رحمه اللّه تعالى وأما المسلمون في هذه البلاد فأكثرهم اليوم يسمعون القارئ يتلو القرآن فلا يستمعون له ولا يشعرون بأنهم في حاجة إلى سماعه ، وأكثر الذين يستمعون له وينصتون يقصدون بذلك التلذذ بتجويده وتوقيع التلاوة على قواعد النغمات ، ومنهم من يقصد بسماعه التبرك فقط ، ومنهم من يحضر الحفاظ لتلاوته عنده في ليالي رمضان لأن ذلك من شعائر أكابر الوجهاء ، وانما تكون التلاوة في حجرة البواب أو غيره من الخدم ، وإذا سمعت بعض السامعين للتلاوة يقول : اللّه اللّه ، أو غير ذلك من كلمة مفردة أو مركبة أو صوت لا معنى له فإنما ينطق به إعجابا بنغمة التالي ، حتى أنهم لينطقون عند سماعه ببعض الأصوات التي تخرج من أفواههم عند سماع الغناء دعيت مرة إلى حفلة عرس فإذا أنا بقاريء يتلو بالنغم والتطريب وبعض