الشيخ محمد رشيد رضا
623
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على مشروعية النهي عن الهزيمة . وأولى منه أن يستدل بها على نزول ما قبلها في ضمن السورة بعد المعركة . وأما قوله تعالى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً فهو معطوف على تعليل مستفاد مما قبله ، أي انه فعل ما ذكر لإقامة حجته وتأييد رسوله ( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ) بالنصر والغنيمة وحسن السمعة . والبلاء الاختبار بالحسن أو بالسيء كما قال تعالى في بني إسرائيل ( وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ) وتقدم بيانه بالتفصيل . وختم الآية بقوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وهو تعليل مستأنف للبلاء الحسن والمراد أنه تعالى سميع لما كان من استغاثة المؤمنين مع الرسول ربهم ودعائهم إياه وحده ، عليم بصدقهم واخلاصهم ، وبما يترتب على استجابته لهم من تأييد الحق الذي هم عليه وخذلان الشرك ، كما أنه سميع لكن نداء وكلام ، عليم بالنيات الباعثة عليه ، والعواقب التي تنشأ عنه ، وبكل شيء * * * ولما كان من سنة القرآن المقابلة بين الايمان والكفر وبين أهل كل منهما وجزائهما عليهما قال ( ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ) أي الامر في المؤمنين وفائدتهم مما تقدم هو ذلكم الذي سمعتم ، ويضاف اليه تعليل آخر وهو أن اللّه تعالى موهن كيد الكافرين ، أي مضعف كيدهم ومكرهم بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ومحاولتهم القضاء على دعوة التوحيد والاصلاح قبل أن تقوى وتشتد ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ( موهن ) بتشديد الهاء والتنوين ونصب ( كيد ) والتشديد للمبالغة في الوهن . وقرأ حفص عن عاصم بالتخفيف والإضافة والباقون بالتخفيف والنصب وقد صرح التنزيل بجزاء الفريقين في تعليل آخر في عاقبة الحرب ، قال في سياق غزوة أحد من سورة آل عمران ( 3 : 140 إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ - وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 141 ) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ )