الشيخ محمد رشيد رضا
622
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذا القتل ، وقد علمنا ما كان من خوفهم وكراهتهم للقتال ومجادلة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيه ( كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) فلو ظلوا على هذه الحالة المعنوية مع قلتهم وضعفهم لكان مقتضى الأسباب أن يمحقهم المشركون محقا . وأما الفرق بين فعله تعالى في القتل وفعله في الرمي فالأول عبارة عن تسخيره تعالى لهم أسباب القتل التي تقدم بيانها كما هو الشأن في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية من كونها لا تستقل في حصول غاياتها الا بفعل اللّه وتسخيره لهم وللأسباب التي لا يصل إليها كسبهم عادة ، كقوله تعالى ( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ؟ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ) الخ فالانسان يحرث الأرض ويلقي فيها البزر ولكنه لا يملك انزال المطر ولا إنبات الحب وتغذيته بالتراب المختلف العناصر ، ولا دفع الجوائح عنه . ولا يستقل ايجاد الزرع وبلوغ ثمرته صلاحها بكسبه وجده . وأما الثاني فهو من فعله تعالى وحده بدون كسب عادي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تأثيره فالرمي منه كان صوريا لتظهر الآية على يده صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله فمثله في ذلك كمثل أخيه موسى عليه السّلام في إلقائه العصا ( فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ) فخاف منها أولا كما ورد في سورتي طه والنمل هذا ما يدل عليه نظم الكلام بلا تكلف ولا حمل على المذاهب والآراء الحادثة من كلامية وتصوفية وغيرها ، فالجبري يحتج بها على سلب الاختيار وكون الانسان كالريشة في الهواء ، والاتحادي يحتج بها على وحدة الوجود ، وكون العبد هو الرب المعبود ، والأشعري يحتج بها على الجمع بين كسب العبد وخلق الرب باسناد الرمي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى الخالق عز وجل . وهو يغني عن إسناد القتل إلى المؤمنين بالأولى ، والقرآن فوق المذاهب وقبلها ، غنى بفصاحته وبلاغته عن هذه التأويلات كلها ( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) * وكلام اللّه فوق ما يظنون . وأما موقع الفاء في أول الآية على القول بأن الآية السابقة عليها نزلت قبل القتال تحريضا عليه فقد قيل إنها واقعة في جواب شرط مقدر واختلفوا في تقديره وقال بعضهم بل هي لمجرد ربط الجمل بعضها ببعض ، وقد يقال إنه لا مانع من نزولها بعد المعركة ووصلها بما قبلها للدلالة على ما ذكرنا من التعليل والاحتجاج