الشيخ محمد رشيد رضا
621
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مع القرينة حجة على ذلك . وروي مثل هذه الرمية في غزوة حنين فحمل الآية بعضهم على ذلك وهو شاذ وحملها بعضهم على رميه ( ص ) لأمية بن خلف بالحربة يوم أحد وهو مقنع بالحديد فقتله وهو شاذ أيضا فالآية بل السورة نزلت في غزوة بدر . والمعنى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ الخ رميت أيها الرسول أحدا من أولئك المشركين في الوقت الذي رميت فيه تلك القبضة من التراب بالقائها في الهواء فأصابت وجوههم فان ما أوتيته كأمثالك من البشر من استطاعة على الرمي لا يبلغ هذا التأثير الذي هو فوق الأسباب الممنوحة لهم وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وجوههم كلهم بما أوصل التراب الذي ألقيته في الهواء إليها مع قلته ، أو بعد تكثيره بمحض قدرته ، وحذف مفعول الرمي للدلالة على عمومه في كل من الاثبات والنفي كما قدرنا فيهما وفاقا لما تقرر في علم المعاني - وقد علم من هذا التفسير المتبادر من اللفظ بغير تكلف وجه الفرق بين قتل المؤمنين للكفار الذي هو فعل من أفعالهم المقدورة لهم بحسب سنن اللّه في الأسباب الدنيوية ، وبين رمي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إياهم بالتراب الذي ليس بسبب لشكاية أعينهم وشوهة وجوهم لقلته وبعدهم عن راميه وكونهم غير مستقبلين كلهم له ، ولأجل هذا الفرق ذكر مفعول القتل مثبتا ومنفيا - وهو ضمير المشركين - فنفى القتل المحسوس مطلقا وأثبت المعقول مطلقا لعدم تعارضهما فالمراد من كل منهما ظاهر بغير شبهة ، ولو أثبت لهم القتل مع نفيه عنهم بان قال : إذ قتلتموهم - لكان تناقضا ظاهرا يخفى وجه جعل المثبت منه غير المنفي . وقتلهم لهم مشاهد لا يحتاج لي اثبات من حيث كان سببا ناقصا ، وانما الحاجة إلى بيان نقصه وعدم استقلاله بالسببية ، ثم بيان ما لولاه لم يكن وهو إعانة اللّه ونصره . وأما رمي النبي ( ص ) لوجوه القوم فلم يكن سببا عاديا لاصابتهم وهزيمتهم لا مشاهدا كضرب أصحابه لأعناق المشركين ولا غير مشاهد ، والجمع بين نفيه واثباته لا يوهم التناقض للعلم بعدم السببية . ولم يذكر مفعول الرمي بأن يقال « وما رميت وجوههم » إذ لا شبهة هنا في عدم استطاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لهذا استقلالا بكسبه العادي ، وأما هنالك فالظاهر أن القتل من كسبهم الاستقلالي . والحقيقة أنه لولا تأييد اللّه تعالى ونصره بما تقدم بيانه لما وصل كسبهم المحض إلى