الشيخ محمد رشيد رضا

619

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) ويوم حنين وفيه يقول اللّه تعالى ( 9 : 25 لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الخ وهذا لا ينافي كون التولي حراما ومن الكبائر ، ولا يقتضي أن يكون كل تول لغير السببين المستثنيين في آية الأنفال يبوء صاحبه بغضب عظيم من اللّه ومأواه جهنم وبئس المصير . بل قد يكون دون ذلك ويتقيد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة وبالنهي عن القاء النفس في التهلكة من حيث عمومها كما تقدم في سورة البقرة وسيأتي تفصيله قريبا وقد روى أحمد وأصحاب السنن الا النسائي من حديث ابن عمر قال : كنت في سرية من سرايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحاص الناس حيصة « 1 » وكنت فيمن حاص ، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة فبتنا ، ثم قلنا لو عرضنا نفوسنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإن كان لنا توبة والا ذهبنا . فأتيناه قبل صلاة الغداة « 2 » فخرج فقال « من الفرارون ؟ » فقلنا نحن الفرارون . قال « بل أنتم العكارون « 3 » أنا فئتكم وفئة المسلمين » قال فأتيناه حتى قبلنا يده . ولفظ أبي داود : فقلنا ندخل المدينة فنبيت فيها لنذهب ولا يرانا أحد ، فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فان كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا ، فجلسنا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا اليه فقلنا نحن الفرارون الخ ، تأول بعضهم هذا الحديث بتوسع في معنى التحيز إلى فئة لا يبقى معه للوعيد معنى ولا للغة حكم ، وقد قال الترمذي فيه : حسن لا نعرفه الا من حديث يزيد بن أبي زياد . أقول وهو مختلف فيه ضعفه الكثيرون ، وقال ابن حبان كان صدوقا الا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير فوقعت المناكير في حديثه فمن سمع منه قبل التغير صحيح . وجملة القول أن هذا الحديث لا وزن له في هذه المسألة لامتنا ولا سندا ، وفي معناه أثر عن عمر هو دونه فلا يوضع في ميزان هذه المسألة

--> ( 1 ) حاص عن الشيء حاد وهرب ( 2 ) أي الصبح ( 3 ) العكار كالعطاف والكرار لفظا ومعنى