الشيخ محمد رشيد رضا

618

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بذلك في أحاديث أصحها عن أبي هريرة مرفوعا عند الشيخين « اجتنبوا السبع الموبقات » أي المهلكات ، قالوا يا رسول اللّه وما هن ؟ قال « الشرك باللّه والسحر وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » وقد قيد بعض العلماء هذا بما إذا كان الكفار لا يزيدون على ضعف المؤمنين ، وعدّ بعضهم الآية منسوخة بقوله تعالى من هذه السورة ( 66 الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) الآية وستأتي . وهذا ظاهر على قول من يسمي التخصيص نسخا كالمتقدمين . قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا الا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة . وان كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ولا يستوجبون السخط عندي من اللّه لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة ، وروى هو وابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر وقد روي عن عمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي بصرة وعكرمة ونافع والحسن وقتادة وزيد بن أبي حبيب والضحاك ان تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية خاص بيوم بدر - قيل إنه بناء على أن قوله تعالى ( يَوْمَئِذٍ ) يراد به يوم بدر ، ولكن هذا خلاف قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ويؤيده نزول الآية بعد انتهاء الغزوة ، فإنه ليس فيها ذكر « يوم بدر » وانما المراد بتنوين يومئذ ما فهم من أول الآية أي يوم لقائهم زحفا كما تقدم فاليوم فيه بمعنى الوقت . وانما قد يتجه بناء التخصيص على قرينة الحال لو كانت الآية قد نزلت قبل اشتباك القتال - خلافا للجمهور - مع ما لغزوة بدر من الخصائص ككونها أول غزوة في الاسلام لو انهزم فيها المسلمون والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم لكانت الفتنة كبيرة ، وتأييد المسلمين فيها الملائكة يثبتونهم ، ووعده تعالى بنصرهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم - فإذا نظرنا إلى مجموع الخصائص وقرينة الحال في النهي اتجه كون التحريم المقرون بالوعيد الشديد الذي في الآية خاصا بها ، أضف إلى ذلك ان اللّه تعالى امتحن الصحابة ( رض ) بالتولي والادبار في القتال مرتين مع وجوده صلّى اللّه عليه وسلّم معهم : يوم أحد وفيه يقول اللّه تعالى ( 3 : 155 إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ