الشيخ محمد رشيد رضا

613

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فان المشركين وحدهم هم الذين عقوه صلّى اللّه عليه وسلّم وظلموه هو ومن آمن به حتى أخرجوهم من وطنهم بغيا وعدوانا ثم تبعوهم إلى دار هجرتهم يقاتلونهم فيها ، وروي أنه أوصى بنفر من بني هاشم آله خرجوا مع المشركين كرها أن لا يقتلوا ، كان منهم عمه العباس ( رض ) ولم يكن أسلم مقتضى السياق ان وحي اللّه للملائكة قد تم بأمره إياهم بتثبيت المؤمنين كما يدل عليه الحصر في قوله عن امداد الملائكة [ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ] الخ وقوله تعالى [ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ] الخ بدء كلام خوطب به النبي ( ص ) والمؤمنون تتمة للبشرى فيكون الأمر بالضرب موجها إلى المؤمنين قطعا وعليه المحققون الذين جزموا بان الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات وقيل إن هذا مما أوحي إلى الملائكة ، وتأوله هؤلاء بأنه تعالى أمرهم بأن يلقوا هذا المعنى في قلوب المؤمنين بالالهام كما كان الشيطان يخوفهم ويلقي في قلوبهم ضده بالوسواس . ولا يرد على الأول ما قيل من أنه لا يصح الا إذا كان الخطاب قد وجه إلى المؤمنين قبل القتال والسورة قد نزلت بعده - لأن نزول السورة بنظمها وترتيبها بعده لا ينافي حصول معانيها قبله وفي أثنائه ، فان البشارة بالامداد بالملائكة وما وليه قد حصل قبل القتال واخبر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه ، ثم ذكرهم اللّه تعالى به بانزال السورة برمتها تذكيرا بمننه ، ولولا هذا لم تكن للبشارة تلك الفائدة ، والخطاب في السياق كله موجه إلى المؤمنين وانما ذكر فيها وحيه تعالى للملائكة بما ذكر عرضا . وقد غفل عن هذا المعنى الآلوسي تبعا لغيره وادعى ان الآية ظاهرة في قتال الملائكة ، وقد وردت روايات ضعيفة تدل على قتال الملائكة لم يعبأ الإمام ابن جرير بشيء منها ولم يجعلها حقيقة أن تذكر ولو لترجيح غيرها عليها وما ادرى اين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر وبعض الروايات الغريبة التي يردها العقل ، ولا يثبتها ماله قيمة من النقل فإذا كان تأييد اللّه للمؤمنين بالتأييدات الروحانية التي تضاعف القوة المعنوية ، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كانزال المطر وما كان له من الفوائد لم يكن كافيا لنصره إياهم على المشركين بقتل سبعين وأسر سبعين حتى كان ألف - وقيل آلاف - من