الشيخ محمد رشيد رضا

611

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولولا هذا المطر لما أمكن المسلمين القتال لأنهم كانوا رجالة ليس فيهم الا فارس واحد هو المقداد كما تقدم وكانت الأرض دهاسا تسيخ فيها الاقدام أو لا تثبت عليها . قال المحقق ابن القيم في الهدي النبوي : وانزل اللّه عز وجل في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم ، وكان على المسلمين طلا طهرهم به واذهب عنهم رجس الشيطان ، ووطأ به الأرض وصلب الرمل ، وثبت الاقدام ، ومهد به المنزل ، وربط على قلوبهم . فسبق رسول اللّه وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل وصنعوا الحياض ثم غوروا ما عداها من المياه ، ونزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه على الحياض وبني لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عريش يكون فيها على تل مشرف على المعركة ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده « هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان إن شاء اللّه تعالى » فما تعدى أحد منهم موضع اشارته اه وقد ذكر ابن هشام مسألة المطر بنحو مما قال ابن القيم ثم قال : قال ابن إسحاق فحدثت عن رجال من بني سلمة انهم ذكروا ان الحباب بن المنذر ابن الجموح قال يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا ان نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال « بل هو الحرب والرأي والمكيدة » قال يا رسول اللّه فان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من القلب [ بضمتين جمع قليب وهي البئر غير المطوية أي غير المبنية بالحجارة ] ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لقد أشرت بالرأي » وذكر انهم فعلوا ذلك ذكر تعالى لذلك المطر أربع منافع ( الأولى ) تطهيرهم به أي تطهيرا حسيا بالنظافة التي تشرح الصدر وتنشط الأعضاء في كل عمل - وشرعيا بالغسل من الجنابة والوضوء من الحدث الأصغر ( الثانية ) اذهاب رجز الشيطان عنهم . والرجز والرجس والركس كلها بمعنى الشيء المستقذر حسا أو معنى والمراد هنا وسوسته كما تقدم في المأثور ( الثالثة ) الربط على القلوب ويعبر به عن تثبيتها وتوطينها على الصبر كما قال تعالى ( 28 : 9 وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا