الشيخ محمد رشيد رضا

610

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ان نعاسهم كان في أثناء القتال ، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك وتحقيق الحق فيه في تفسير قوله تعالى ( 3 : 154 ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ) وهو في سياق غزوة أحد . وقلت هنالك : قد تقدم في ملخص القصة ذكر هذا النعاس وأنه كان في أثناء القتال ، وانما كان مانعا من الخوف لأنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر ، ولكن روي أن السيوف كانت تسقط من أيديهم واختار الأستاذ الامام انه كان بعد القتال الخ فيحسن مراجعته ففيه الكلام على النعاس يوم بدر أيضا وهو في ( ص 185 : 186 ج 4 تفسير ) قرأ الأكثرون ( يُغَشِّيكُمُ ) بالتشديد من التغشية وهو إما للتدريج واما للمبالغة في التغطية ، وقرأه نافع بالتخفيف من الاغشاء ، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ( يغشيكم ) من الثلاثي ورفع النعاس على أنه فاعله ، وهذا لا يخالف القراءتين قبله بل هو كالمطاوع لهما ومعنى الثلاثة أن اللّه تعالى جعل النعاس يغشاكم فغشيكم ، وأما صيغ الفعل ودلالة قراءة التشديد على التدريج أو المبالغة دون قراءة التخفيف فيحمل اختلافهما على اختلاف حال من غشيهم النعاس فهو لا يكون عادة الا بالتدريج ويكون أشد على بعض الناس من بعض ، وقد ذكرنا بحث صيغة ( غ ش ي ) في اللغة في تفسير سورة الأعراف . وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ وهذه منة ثالثة منه عز وجل على المؤمنين ، كان لها شأن عظيم في انتصارهم على المشركين ، روى ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جرير عن ابن عباس ( رض ) ان المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظميء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين ، وكان بينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال أتزعمون ان فيكم نبيا وانكم أولياء اللّه وتصلون مجنبين محدثين ؟ فانزل اللّه من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم ( اي على الدهاس أو الرمل اللين لتلبده بالمطر ) وذهبت وسوسته . هذا أثبت وأوضح وابسط ما ورد في المأثور عن هذا المطر في بدر ، وعن مجاهد انه كان قبل النعاس خلافا لظاهر الترتيب في الآية والواو لا توجبه .