الشيخ محمد رشيد رضا

608

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذه الآية من سورة آل عمران وتفسير قوله تعالى ( وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ) من الأعراف معنى المدد والامداد في اللغة . * * * ثم بين تعالى أن هذا الامداد أمر روحاني يؤثر في القلوب فيزيد في قوتها المعنوية فقال وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ أي وما جعل عز شأنه هذا الامداد إلا بشرى لكم بأنه ينصركم كما وعدكم وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ أي تسكن بعد ذلك الزلزال والخوف الذي عرض لكم في جملتكم فكان من مجادلتكم للرسول في أمر القتال ما كان . فتلقون أعداءكم ثابتين موقنين بالنصر ، وسيأتي في مقابلة هذا إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دون غيره من الملائكة أو غيرهم كالأسباب الحسية فهو عز وجل الفاعل للنصر كغيره مهما تكن أسبابه المادية أو المعنوية إذ هو المسخر لها وناهيك بما لا كسب للبشر فيه كتسخير الملائكة تخالط المؤمنين فتستفيد أرواحهم منها الثبات والاطمئنان إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عزيز غالب على أمره ، حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه وفي التفسير المأثور عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه فسر « مردفين » بالمدد وبقوله « ملك وراء ملك » وعن الشعبي قال : كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين ، فكانوا أربعة آلاف وهم مدد المسلمين في ثغورهم . وعن قتادة متتابعين ، أمدهم اللّه تعالى بألف ثم بثلاثة ثم أكملهم خمسة آلاف ( وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) قال يعني نزول الملائكة عليهم السّلام ( قال ) وذكر لنا أن عمر ( رض ) قال : أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة عليهم السّلام كانوا معنا ، وأما بعد ذلك فاللّه أعلم . وعن ابن زيد : مردفين قال بعضهم على أثر بعض . وعن مجاهد في قوله ( وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ) قال انما جعلهم اللّه يستبشر بهم . هذا جملة ما جمعه في الدر المنثور من المأثور في الآيتين . وظاهر نص القرآن أن إنزال الملائكة وإمداد المسلمين بهم فائدته معنوية كما تقدم وأنهم لم يكونوا محاربين وهنالك روايات أخرى في أنهم قاتلوا وسيأتي بحثه . وما قاله الشعبي وقتادة من العدد لا يقبل إلا بنص من الشارع قطعي الرواية والدلالة لأنه خبر عن الغيب