الشيخ محمد رشيد رضا

606

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( فان قيل ) كيف يصح هذا وقد وعده اللّه تعالى احدى الطائفتين أنها تكون للمؤمنين وكشف له عن مصارع صناديد المشركين ؟ فإذا كان قد جوز أن يكون وعده العام بالنصر له وللمؤمنين ( وهو مكرر في السور المكية والمدنية وصرح في بعضها بأنه من سننه في رسله والمؤمنين بهم ) غير معين أن يكون في هذه الغزوة كما قال بعض العلماء فلا يأتي مثل هذا الجواز في وعدهم احدى الطائفتين فيها ولا سيما بعد أن نجت طائفة العير ، وانحصر الوعد في طائفة النفير ، وبعد أن كشف تعالى له عن مصارع القوم ؟ ( قلنا ) أما كشف مصارع القوم له فالظاهر المتعين أنه كان عقب دعائه واستغاثته ربه ، ولذلك تمثل بعده بقوله تعالى في سورة القمر ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) وزال خوفه وصار يعين أمكنة تلك المصارع . وأما الوعد فسيأتي فيه انه كان في زمن الاستغاثة والاستجابة فإن كان قبله فأمثل ما يقال فيه وأقواه ما قاله العلماء في كثير من وعود الكتاب والسنة المطلقة بالجزاء على بعض الاعمال بأنه مقيد بما تدل عليه النصوص الأخرى من الايمان الصحيح واجتناب الكبائر ، ومن ذلك أن الوعد المطلق بالنصر للرسل والمؤمنين في عدة آيات مقيد بما اشترط له في آيات أخرى ، مثال الأول قوله تعالى في سورة المؤمن المكية ( 40 : 51 إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) وقوله في سورة الروم المكية أيضا ( 30 : 45 وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ومثال الثاني قوله تعالى في الآيات التي أذن اللّه فيها للمؤمنين بالقتال دفاعا عن أنفسهم أول مرة وذلك في سورة الحج المدنية ( 22 : 40 وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) وقوله بعد ذلك في سورة القتال ( أو محمد ) [ 46 : 8 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ] وقد سبق لنا بيان هذا المعنى في التفسير وإقامة الحجة به على المسلمين الجاهلين المغرورين والخرافيين الذين يتكلون في أمورهم على الصلحاء الميتين في قضاء حوائجهم بخوارق العادات ، وتبديل سنن اللّه في الأسباب والمسببات ، حتى كأن قبورهم معامل للكرامات ، يتهافت عليها الافراد والجماعات ، يدعون أصحابها خاشعين ، مالا يدعو به الموحدون الا اللّه رب العالمين . كما فعل رسول اللّه ( ص ) وجماعة المؤمنين .