الشيخ محمد رشيد رضا
605
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى ( 3 : 159 فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) من ذلك السياق ومن المعلوم بالقطع أن أسباب النصر والغلب في الحرب لم تكن تامة عند المسلمين في ذلك الوقت لا من الجهة المادية كالعدد والعدد والغذاء والعتاد والخيل والإبل بل لم يكن من هذه الجهة إلا شيئا ضعيفا ، ولا من الجهة المعنوية لما تقدم من كراهة بعضهم للقتال وجدال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيه . لهذا خشي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصيب أصحابه تهلكة على قلتهم لتقصيرهم في بعض الأسباب المعنوية فوق التقصير غير الاختياري في الأسباب المادية ، فكان يدعو بأن لا يؤاخذهم اللّه تعالى بتقصير بعضهم في إقامة سننه عقابا لهم كما عاقبهم بعد ذلك في غزوة أحد ذلك العقاب المشار اليه بقوله تعالى ( 3 : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) وأما أبو بكر ( رض ) فلم يكن يعلم من ذلك كل ما يعلمه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقد رآه منزعجا خائفا فكان همه تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتذكيره بوعد ربه لشدة حبه له ، وفي الغار كان خائفا عليه ولكنه رآه مطمئنا فلم يحتج إلى تسليته بل كان صلّى اللّه عليه وسلّم هو المسلي له لما رأى من خوفه ان يعرض له ألم أو أذى ، فالرسول ( ص ) هو الذي أعطى كل مقام حقه مقام التوكل المحض بعد استيفاء أسباب اتقاء أذى المشركين عند الهجرة ، ومقام الخوف على جماعة المؤمنين لما ذكرنا آنفا من كراهة بعضهم للقتال ومجادلتهم له فيه بعد ما تبين لهم أنه الحق الذي يريده اللّه تعالى بوعده إياهم احدى الطائفتين . أجل ، كان صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن شؤون الاجتماع البشري كسائر أطوار العالم للّه تعالى فيها سنن مطردة لا تتغير ولا تتبدل كما تكرر ذلك في السور المكية بوجه عام ، ثم ذكر بشأن القتال خاصة في الكلام على غزوة أحد من سورة آل عمران المدنية ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ) ثم في سورة الأحزاب المدنية التي نزلت في غزوتها التي تسمى غزوة الخندق أيضا . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن سننه تعالى في القتال كسائر سننه في أنها لا تبديل لها ولا تحويل من قبل نزول ما أشرنا اليه في هاتين السورتين المدنيتين اللتين نزلتا بعد غزوة بدر فلذلك كان خوفه على المؤمنين عظيما