الشيخ محمد رشيد رضا

604

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« وقال غيره وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الحالة في مقام الخوف وهو أكمل حالات الصلاة ، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة وانما كان مجملا . هذا الذي يظهر ، وزل من لا علم عنده ممن ينسب إلى الصوفية في هذا الموضع زللا شديدا فلا يلتفت اليه ولعل الخطابي أشار اليه . اه ما أورده الحافظ في الفتح فهو لم يطلع على أحسن منه على سعة اطلاعه وأقول يصح أن يكون من مقاصده صلّى اللّه عليه وسلّم من الدعاء يومئذ تقوية قلوب أصحابه وهو ما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالقوة المعنوية ولا خلاف بين العقلاء حتى اليوم في أنها أحد أسباب النصر والظفر ، ولكن لا يصح أن يكون علم باستجابة اللّه له لما وجد أبو بكر في نفسه القوة والطمأنينة فعلمه صلّى اللّه عليه وسلّم بربه وبوقت استجابته له أقوى وأعلى من أن يستنبطه استنباطا من حال أبي بكر ( رض ) وأما قول بعضهم إن النبي ( ص ) كان يومئذ في مقام الخوف فهو ظاهر ولكنه لم يبين معه سببه ولا كونه لا ينافي كمال توكله على ربه ، وكونه فيه أعلى وأكمل من صاحبه بدرجات لا يعلوها شيء ، وقد بينا ذلك بالتفصيل في تفسير ( 3 : 110 إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ؟ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) وهي في سياق غزوة أحد « 1 » ونعيد البحث مع زيادة فائدة فنقول إنه ( ص ) اعطى كل مقام حقه بحسب الحال التي كان فيها ، فلما كان عند الخروج إلى الهجرة قد عمل مع صاحبه كل ما أمكنهما من الأسباب لها وهو إعداد الزاد والراحلتين والدليل والاستخفاء في الغار لم يبق عليهما إلا التوكل على اللّه تعالى والثقة بمعونته وتخذيل أعدائه فكان صلّى اللّه عليه وسلّم لكمال توكله آمنا مطمئنا بما أنزل اللّه عليه من السكينة وأيده به من أرواح الملائكة ، وأبو بكر ( رض ) لم يرتق إلى هذه الدرجة فكان خائفا حزينا محتاجا إلى تسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم له وأما يوم بدر فكان المقام فيه مقام الخوف لا مقام التوكل المحض ، وذلك أن التوكل الشرعي بالاستسلام لعناية الرب تعالى وحده انما يصح في كل حال بعد اتخاذ الأسباب لها المعلومة من شرع اللّه ومن سننه في خلقه كما بيناه في تفسير قوله

--> ( 1 ) راجع ص 213 ج 4 تفسير