الشيخ محمد رشيد رضا
603
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما البخاري فروى عن ابن عباس قال : قال النبي ( ص ) يوم بدر « اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد » فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك ، فخرج وهو يقول [ سيهزم الجمع ويولون الدبر ] وعن سعيد بن منصور من طريق عبد اللّه ابن عبد اللّه بن عتبة قال : لما كان يوم بدر نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في صلاته « اللهم لا تودّع منى ، اللهم لا تخذلني ، اللهم لا تترني « 1 » اللهم أنشدك ما وعدتني » وعن ابن إسحاق في سيرته أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « اللهم هذه قريش أتت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني » وقد استشكل ما ظهر من خوف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع وعد اللّه له بالنصر عاما وخاصا ومن طمأنينة أبي بكر ( رض ) على خلاف ما كان ليلة الغار إذ كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آمنا مطمئنا متوكلا على ربه ، وكان أبو بكر خائفا وجلا كما يدل عليه قوله عز وجل ( 9 : 40 إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) قال الحافظ في الفتح قال الخطابي لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الحال ، بل الحامل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم لأنه كان أول مشهد شهده فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة فلهذا عقب بقوله ( سيهزم الجمع ) انتهى ملخصا
--> ( 1 ) هو من وتره يتره « من باب وعد » وله معان ستقاربة منها جعله وترا بقطع أهله أو أنصاره ومنها مسه بالأذى ومنها نقصه حقه وظلمه ومنه ( ولن يتركم أعمالكم ) أي لن ينقصكم من جزائها شيئا ، وقوله بعده : أنشدك ما وعدتني من نشده ينشده « من باب قتل » ومعناه أستنجزك وعدك إياي بالنصر والغلب