الشيخ محمد رشيد رضا
600
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولكن الحق تبين بحيث لم يبق للجدال فيه وجه ما - لا بأن يقال إن طائفة العير مراد اللّه تعالى فإنها نجت وذهبت من طريق سيف البحر ولو كانت هي المرادة لما نجت ، ولا بأن يقال اننا لم نعدّ للقتال عدته فلا يمكننا طلب الطائفة الأخرى - فإنه مهما تكن حالها فلا بد من الظفر بها لوعد اللّه تعالى فلم يبق لجدالهم وجه الا الجبن والخوف من القتال ولذلك قال كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي كأنهم من فرط جزيمهم ورعبهم يساقون إلى الموت سوقا لا مهرب منه لظهور أسبابه حتى كأنهم ينظرون اليه بأعينهم ، وهي ما ذكرنا من التفاوت بين حالهم وحال المشركين في العدد والخيل والزاد ، ولكن اللّه تعالى وعد رسوله والمؤمنين الظفر بهم ، وهذا دليل قطعي لا يتخلف عند المؤمن الموقن ، وما تلك الا أسباب عادية كثيرة التخلف ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن اللّه ، وهكذا أنجز اللّه وعده وكان الظفر التام للمؤمنين ، وقد بين تعالى ذلك كله بقوله * * * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ تولى اللّه تعالى إقامة الحجة عليهم بالحق فيما جادلوا فيه رسوله بالباطل ووجه الخطاب إليهم بعد ان كان الخطاب له ( ص ) فقال واذكروا إذ يعدكم اللّه احدى الطائفتين - العير أو النفير - انها لكم ، وهذا التعبير آكد في الوعد من مثل : وإذ يعدكم اللّه ان احدى الطائفتين لكم . لان هذا اثبات بعد اثبات ، اثبات للشيء في نفسه ، واثبات له في بدله وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ أي وتحبون وتتمنون ان الطائفة غير ذات الشوكة وهي العير تكون لكم لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا . والشوكة الحدة والقوة ، وأصلها واحدة الشوك شبهوا بها أسنة الرماح . ثم أطلقوها تجوزا على كل حديد من السلاح ، فقالوا : شائك السلاح وشاكي السلاح . وانما عبر عنها بهذا التعبير للتعريض بكراهتهم للقتال ، وطمعهم في المال ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أي ويريد اللّه بوعده غير ما أردتم ، يريد أن يحق الحق الذي أراده بكلماته المنزلة على رسوله أي وعده لكم أحدى الطائفتين