الشيخ محمد رشيد رضا

58

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ساحرة فأقرت له بالسحر فدعا الفقهاء فسألهم عن حكمها فقالوا القتل ، فقال ابن هبيرة لست أقتلها الا تغريقا قال فاخذ رحى البزر فشدها في رجلها وقذفها في الفرات فقامت فوق الماء مع الحجر تنحدر مع الماء فخافوا ان تفوتهم فقال ابن هبيرة من يمسكها وله كذا وكذا ؟ فرغب رجل من السحرة كان حاضرا فيما بذله فقال اعطوني قدح زجاج فيه ماء فجاؤه به فقعد على القدح ومضى إلى الحجر فشق الحجر بالقدح فتقطع الحجر قطعة قطعة فغرقت الساحرة - فيصدقونه ، ومن صدق هذا فليس يعرف النبوة ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء عليهم السّلام من هذا النوع وانهم كانوا سحرة وقال اللّه تعالى ( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ) « وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع ، وذلك أنهم زعموا ان النبي عليه السّلام سحر وان السحر عمل فيه حتى قال فيه « انه يخيل إلي اني أقول الشيء وأفعله ، ولم أقله ولم أفعله » وان امرأة يهودية سحرته في جف طلعة ومشط ومشاقة « 1 » حتى أتاه جبريل عليه السّلام فأخبره أنها سحرته في جف طلعة وهو تحت راعوفة البئر « 2 » فاستخرج وزال عن النبي عليه السّلام ذلك العارض . وقد قال اللّه تعالى مكذبا للكفار فيما ادعوه من ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال جل من قائل ( وقال الظالمون ان نتبعون الا رجلا مسحورا ) ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا بالحشو الطعام ، واستجرارا لهم إلى القول بابطال معجزات الأنبياء عليهم السّلام ، والقدح فيها ، وانه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة وان جميعه من نوع واحد . والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السّلام واثبات معجزاتهم ، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى ( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ) فصدق هؤلاء من كذبه اللّه وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله . وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظنا

--> ( 1 ) جف الطلع بضم الجيم هو الوعاء الذي يخرج منه طلع النخل ، والمشاقة من الكتان معروفة وفي أكثر الروايات مشاطة وهي بالضم الشعر الذي يسقط من الشعر عند تسريحه بالمشط والمراد ان المشط والمشاطة وضعا في جف طلعة وصفت عند الشيخين بأنها طلعة ذكر اي من النخل ( 2 ) راعوفة البئر الحجر الثابت الذي يقف عليه المستقي من البئر