الشيخ محمد رشيد رضا
594
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذه الإقامة هي التي يستفيد صاحبها بها ما جعله اللّه تعالى ثمرة للصلاة من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر وغير ذلك مما يراجع في مواضعه ( الصفة الخامسة ) قوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي وينفقون بعض ما رزقهم اللّه في وجوه البر من زكاة مفروضة لإقامة دولة الاسلام وغير ذلك من النفقات الواجبة والمندوبة للأقربين والمعوزين ومصالح الأمة . وتقدم تفسيرها في أول سورة البقرة وفي مواضع أخرى مع التنبيه إلى كثرة ما ورد في الكتاب العزيز من جعل الزكاة أو النفقة مقارنة للصلاة لأنهما العبادتان اللتان عليهما مدار الاصلاح الروحي والاجتماعي في الملة . والتعبير بالانفاق أعم من التعبير بالزكاة كما علمت * * * أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات كلها هم دون سواهم ممن لم يتصف بها المؤمنون إيمانا حقا أو حق الايمان الذي لا نقص فيه ، أو حق ذلك حقا أو حققته حقا ، ذلك بأن الايمان حق الايمان هو ما أعقب التصديق الاذعاني فيه أثره من أعمال القلوب والجوارح وبذل المال في سبيل اللّه عز وجل . وقد جمعت الصفات التي وصفوا بها كل ذلك بحيث تتبعها سائر شعب الايمان ، تقول العرب فلان شاعر حقا أو فارس حقا لمن نبغ في الشعر ولمن كملت فيه صفات الفروسية . روى الطبراني بسند ضعيف يؤثر للعبرة عن الحارث بن مالك الأنصاري ( رض ) انه مر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له « كيف أصبحت يا حارثة ؟ » قال أصبحت مؤمنا حقا . قال « انظر ما ذا تقول فان لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ » فقال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . فقال « يا حارثة عرفت فالزم » ثلاثا - وروي عن الحسن أن رجلا سأله أمؤمن أنت ؟ قال الايمان إيمانان فان كنت تسألني عن الايمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) . . . فو اللّه لا أدري أنا منهم أم لا ثم بيّن تعالى جزاء هؤلاء المؤمنين الكلمة فقال لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ الدرجات منازل الرفعة ومراقي الكرامة وكونها عند الرب تعالى