الشيخ محمد رشيد رضا
590
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومحاسبته لخلقه وادانتهم ، وغير ذلك من صفاته وأفعاله سواء صحبه ذكر اللسان أم لا ، وأعظم ذكر اللسان مع القلب ترتيل القرآن بالتدبر ، وقد يقول المؤمن في صلاة التهجد في الخلوة « اللّه أكبر » مستحضرا لمعنى كبريائه عز وجل فينتفض ويقشعر جلده ، فمن خص الذكر هنا بالوعيد غفل عن كل هذا وظن أن الوجل لا يكون الا من خوف العذاب ، وكأنه لم يذق طعم الخشية والوجل من مهابة اللّه وعظمته وكبريائه وعزة سلطانه وغير ذلك من معاني أسمائه وصفاته ، ولم يقرأ قوله تعالى ( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) ولم يعلم أن من عباد اللّه من يخشع قلبه ويفيض دمعه من ذكر أسماء اللّه في آخر سورة الحشر ( 59 : 21 لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 22 هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) الخ ولا يجد مثل هذا الوجل عند وصف جهنم وذكر الحساب والجزاء . وانما يأخذ مثل هذا معاني القرآن من فهمه لظواهر بعض الالفاظ بدون شعور بما لها من التأثير في القلوب فيقابل بين هذه الآية وما في معناها وبين قوله تعالى في سورة الرعد ( 13 : 29 الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) فيظن أن بينهما تعارضا فيحاول التفصي منه بحمل هذا على ذكر الوعد والآخر على ذكر الوعيد ، ولا تعارض في الحقيقة ولا تنافي ففي كل من الوعد والوعيد وصفات الكمال وذكر آيات اللّه تعالى في الأنفس والآفاق اطمئنان للقلوب بالايمان باللّه تعالى والثقة بما عنده ، وغير ذلك مما يأتي بسطه في محله إن شاء اللّه تعالى . ولا ذكر يضرم سعفة الوجل في القلب كتلاوة كلام الرب عز وجل ( 39 : 22 اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) ( الصفة الثانية ) قوله تعالى وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً أي إذ تليت عليهم آياته المنزلة على خاتم أنبيائه صلّى اللّه عليه وسلّم زادتهم إيمانا أي يقينا في الاذعان وقوة في الاطمئنان ، وسعة في العرفان ، ونشاطا في الاعمال ، ويطلق الايمان في عرف الشرع على مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه وعلى كل منهما والقرائن