الشيخ محمد رشيد رضا

588

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

النجاة في الآخرة والفوز بثوابها ، ويطاع في اجتهاده في أمر الدنيا المتعلق بالصالح العامة ولا سيما الحرب من حيث إنه الامام والقائد العام ، فمخالفته اخلال بالنظام العام وافضاء إلى الفوضى التي لا تقوم معها للأمة قائمة . فهذه الطاعة واجبة شرعا كالأولى إلا أنها معقولة المعنى ، فقد أمره اللّه تعالى في تنفيذ أحكامه وادارته بمشاورة الأمة كما تقدم في سورة آل عمران وأشرك معه في هذه الطاعة أولي الامر كما تقدم في سورة النساء ، وسيأتي كيف راجعه بعضهم في هذه الغزوة المفصلة أحكامها في هذه السورة ورجع عن رأيه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الرأي الذي ظهر صوابه ، ولكن الامر الأخير لا بدّ أن يكون له كما شاورهم في غزوة أحد في الخروج من المدينة أو البقاء فيها . فلما انتهت المشاورة وعزم على تنفيذ رأي الجمهور راجعوه فلم يقبل مراجعة ، وقد بينا هذا مع حكمته في تفسير ( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) وترى في تلك السورة كيف كانت مخالفة الرماة له صلّى اللّه عليه وسلّم سببا في ظهور العدو على المسلمين فراجع تفسير ( أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) في ص 224 الجزء الرابع ولأئمة المسلمين منهم من حق الطاعة في تنفيذ الشرع وإدارة الأمور العامة وقيادة الجند ما كان له صلّى اللّه عليه وسلّم منه مقيدا بعدم معصية اللّه تعالى وبمشاورة أولي الامر كما تقدم تفصيله في تفسير ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) الآية ثم قال تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فان الايمان يقتضي ذلك كله لان اللّه تعالى أوجبه ، والمؤمن باللّه غير المرتاب بوعده ووعيده يكون له سائق من نفسه إلى طاعته إلا أن يعرض له ما يغلبه عليها أحيانا من ثورة شهوة أو سورة غضب ، ثم لا يلبث أن يفيء إلى أمر اللّه ويتوب اليه مما عرض له كما تقدم في تفسير إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ الخ ، * * * ثم وصف اللّه المؤمنين بما يدل على هذا ويثبته فقال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ هذه جملة مستأنفة لبيان حال المؤمنين الذين بين في شرطية الآية قبلها شأنهم من التقوى واصلاح ذات البين في الأمة وطاعة اللّه ورسوله على قاعدة أن النكرة إذا أعيد ذكرها معرفة تكون عين الأولى