الشيخ محمد رشيد رضا
582
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المعاني مكرر في أكثر السور الكبيرة ، وأنقل هنا عن روح المعاني ما نقله عن السيوطي في وضع هذه السورة هنا وما تعقبه به وهو : « والظاهر أن وضعها هنا توقيفي وكذا وضع براءة بعدها وهما من هذه الحيثية كسائر السور ، وإلى ذلك ذهب غير واحد كما مر في المقدمات ، وذكر الجلال السيوطي أن ذكر هذه السورة هنا ليس بتوقيف من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم للصحابة رضي اللّه تعالى عنهم كما هو المرجح في سائر السور ، بل باجتهاد من عثمان رضي اللّه تعالى عنه ، وقد كان يظهر في بادي الرأي أن المناسب ايلاء الأعراف بيونس وهود لاشتراك كل في اشتمالها على قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأنها مكية النزول خصوصا أن الحديث ورد في فضل السبع الطول ، وعدوا السابعة يونس وكانت تسمى بذلك كما أخرجه البيهقي في الدلائل ففي فصلها من الأعراف بسورتين فصل للنظير من سائر نظائره ، هذا مع قصر سورة الأنفال بالنسبة إلى الأعراف وبراءة ، وقد استشكل ذلك قديما حبر الأمة رضى اللّه تعالى عنه فقال لعثمان رضي اللّه تعالى عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا البسملة بينهما ووضعتموها في السبع الطول ؟ ثم ذكر جواب عثمان رضي اللّه تعالى عنه وقد أسلفنا الخبر بطوله سؤالا وجوابا ثم قال وأقول يتم مقصد عثمان رضي اللّه تعالى عنه في ذلك بأمور فتح اللّه تعالى بها ( الأول ) أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها لكونها مشتملة على البسملة فقدمها لتكون كقطعة منها ومفتتحها ، وتكون براءة لخلوها من البسملة كتتمتها وبقيتها ، ولهذا قال جماعة من السلف إنها سورة واحدة ( الثاني ) وضع براءة هنا لمناسبة الطول فإنه ليس بعد الست السابقة سورة أطول منها وذلك كاف في المناسبة ( الثالث ) أنه خلل بالسورتين أثناء السبع الطول المعلوم ترتيبها في العصر الأول للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لاعن توقيف وإلى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبض قبل أن يبين كلتيهما فوضعا هنا كالوضع المستعار بخلاف ما لو وضعا بعد السبع الطول فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما بتوقيف ، ولا يتوهم هذا على هذا الوضع ، للعلم بترتب