الشيخ محمد رشيد رضا

579

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثم بين لنا تعالى في الآية 137 من هذا السياق أنه أورثهم الأرض المباركة وتمت كلمته الحسنى عليهم [ بِما صَبَرُوا ] أي لا بمجرد آيات اللّه لموسى وما أيده به ، فعلم منه بالفعل أن الأمة المستضعفة مهما يكن عدوها الظالم لها قويا فليس لها أن تيأس من الحياة . وهو تحقيق لرجاء موسى هنا ولوعد اللّه إياه بذلك صريحا في قوله من سورة القصص [ 28 : 5 وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ] الآية ترى شعوب المسلمين يجهلون هذه السنن الإلهية وما ضاع ملكهم وعزهم إلا بجهلها الذي كان سببا لعدم الاهتداء بها في العمل ، وما كان سبب هذا الجهل إلا الاعراض عن القرآن ودعوى الاستغناء عن هدايته بما كتبه لهم المتكلمون من كتب العقائد المبنية على القواعد الكلامية المبتدعة وما كتبه الفقهاء من أحكام العبادات والمعاملات المدنية والعقوبات والحرب وما يتعلق بها ، وهذه السورة الجليلة الكبيرة القدر والفوائد ( الأعراف ) خالية من هذه الأحكام كلها ، ومن نظريات المتكلمين في العقائد وتقريرهم لها ، وكذلك غيرها من السور المكية . فهل أنزل اللّه تعالى هذه السور كلها للتعبد بتجويد ألفاظها بدون فهم ، أو لاتخاذها رقى وتمائم ، وكسبا لقراء المآتم ؟ وأعجب من هذا كله أن الجهل بلغ بهم بعد ذلك أن ظهر فيهم فريق خصم لهذا الفريق المقلد المحافظ على كتب القرون الوسطى دون هدي السلف ، خصم يقول إن دين الاسلام هو السبب في جهل المسلمين وضعفهم ولا حياة لنا إلا باقتباس علم الاجتماع وسنن العمران من الأمم غير الاسلامية التي سادتنا بهذه العلوم وما يؤيدها من الفنون والصناعات ، وهؤلاء أجهل بالاسلام من أولئك ، فكتاب الاسلام هو المرشد الأول لسنن الاجتماع والعمران ، ولكن المسلمين قصروا في طور حياتهم العلمية عن تفصيل ذلك بالتدوين لعدم شعورهم بالحاجة اليه ، وكان حقهم في هذا العصر أن يكونوا أوسع الناس به علما لان كتاب اللّه مؤيد للحاجة بل الضرورة التي تدعوا إليه ( 7 ) إن سنة اللّه في الأمم التي ترث الأرض من بعد أهلها الاصلاء هي سنته تعالى في أهلها ، فإذا كان هؤلاء قد غلبوا عليها بسبب ظلمهم وفسادهم وجهلهم وعمى قلوبهم ، فكذلك يكون شأن الوارثين لها من بعدهم إذا صاروا مثلهم في