الشيخ محمد رشيد رضا

577

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 4 ) بيان أن الايمان بما دعا اللّه اليه والتقوى في العمل بشرعه فعلا وتركا سبب اجتماعي طبيعي لسعة بركات السماء والأرض وخيراتها على الأمة كما في قوله تعالى ( 96 وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) وهو موافق لآيات أخرى في سور أخرى [ منها ] الآية 52 من سورة هود [ 11 ] والآيات 123 - 127 من سياق بيان سننه تعالى في النشأة البشرية من سورة طه ومثله في الآيات 10 - 12 من سورة نوح والآيتين 16 و 17 من سورة الجن بعدها وغيرها ، وقد بينا وجه ذلك في التفسير والمنار ومنه تحقيق معنى التقوى واختلافها باختلاف مواضعها من أمور الدين والدنيا في مقالة عنوانها ( عاقبة الحرب المدنية ) نشرت في ( ج 7 م 21 من المنار ) [ 5 ] استدراجه تعالى للمكذبين والمجرمين واملاؤه لهم كما في الآيتين 182 و 183 وهو في معنى ما سبقه من سنة أخذ اللّه للأمم بذنوبها ومن سنة ابتلائها بالحسنات والسيئات فان من لا يعتبر بذلك ولا يتربى بصر على ذنبه ولا يرجع عنه وذنوب الأمم لا بد من العقاب عليها - راجع تفسير الآيتين في ص 451 و 449 ج 9 ففيه بيان هذه السنة موضحا ( 6 ) سنة اللّه في ارث الأرض واستخلاف الأمم فيها والاستيلاء والسيادة على الأمم والشعوب . فقد بين اللّه تعالى لنا في قصة موسى مع قومه أن وطأة فرعون وقومه اشتدت على بني إسرائيل وصرح بوجوب الاستمرار على تقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم لأجل أن تنقرض الأمة بعد استذلال من يبقى من النساء إلى أن ينقرض الرجال وما ازدادوا إلا ذلا وخنوعا - وهم مئات الألوف - كما هو شأن الشعوب الجاهلة المستضعفة ولكن اللّه تعالى أمر رسوله موسى أن يمتلخ ذلك اليأس من قلوبهم بقوة لايمان بما حكاه عنه بقوله ( 118 قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) أي بين لهم أن الأرض ليست رهن تصرف الملوك والدول بقدرتهم الذاتية فتدوم لهم وانما هي للّه ، وله سبحانه وتعالى سنة في سلبها من قوم وجعلها إرثا لقوم آخرين بمحض مشيئته وسلطانه ، ومدار هذه السنة على أن العاقبة في التنازع بين الأمم على الأرض التي تعيش فيها أو تستعمرها للمتقين ، أي الذين يتقون أسباب