الشيخ محمد رشيد رضا

571

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في آخر آية 130 ( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) وهو في زعم آل فرعون وخرافاتهم أن ما ينالهم من الحسنات والخيرات فهو حق لهم وأن ما ينالهم من السيئات فهو بشؤم موسى وقومه ونظيرهم بهم . والعلم المنفيّ عنهم هنا هو العلم بسنن اللّه في طباع البشر والأسباب والمسببات في العالم - وقوله تعالى في حكاية توبيخ موسى ( ع . م ) لقومه على مطالبتهم إياه بأن يجعل لهم إلها كآلهة الذين رأوهم يعكفون على أصنام لهم من آخر الآية 138 ( إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) وما علل به الحكم بجهلهم في الآيتين بعدها فهذه جامعة لبيان فضل العلم النقلي والعلم العقلي وذم الجهل بهما معا فان موسى ( ع . م ) علل تجهيلهم أولا بعلة عقلية وثانيا بعلة دينية عقلية ( فراجع تفسيرهن في ص 105 - 115 ج 9 ) - وقوله تعالى في الآية 169 ( أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ) وهو من العلم النقلي ولكنه أيد بالعقلي في ختم الآية بقوله ( أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) فهذه الشواهد على هذا الأصل وما قبله المؤيدة بأضعافها في السور الأخرى تثبت تعظيم القرآن لشأن التفكر والنظر والاستدلال لتحصيل العلم باللّه وشرائعه المنزلة وبسننه وآياته في خلقه ونعمه على عباده - وتعظيم شأن جميع العلوم النافعة من نقلية وعقلية وهي حجة على نقص أهل الجهل بها . ( الأصلان الخامس والسادس ) أمر الناس بأخذ زينتهم عند كل مسجد وبالأكل والشرب من الطيبات المستلذات ، والانكار على من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، وبيان أنها حق للذين آمنوا في الحياة الدنيا أولا وبالذات بقيد عدم الاعتداء والاسراف فيها ، وان شاركهم غيرهم فيها بعموم فضل اللّه لا باستحقاقهم ، وانها تكون خالصة لهم في الآخرة ، وذلك نص الآيتين 31 و 32 وهذان الأصلان هما الركنان اللذان يقوم عليها بناء الحضارة بعلومها وفنونها وصناعاتها وإظهارها لما في هذا الكون من سنن اللّه تعالى وآياته وأسرار صنعه الدالة على توحيده وقدرته وحكمته وإحسانه على عباده - وهما المبطلان لأساس الديانة البرهمية من جعل مقصد الدين تعذيب النفس وحرمانها من الزينة واللذة ، وقلدهم في ذلك النصارى وابتدعوا الرهبانية لأجله ولم يقفوا عند حد تقليدهم في الدنيا حتى