الشيخ محمد رشيد رضا

558

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا ينساه فيما بينهما وأهم الذكر فيهما صلاتا الفجر والعصر اللتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار ويشهدان عند اللّه تعالى بما وجدا عليه العبد كما ورد في الصحيح وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن ذكره تعالى في سائر الأوقات وانما يتسامح بقلة الذكر فيما بين البكرة والأصيل لأنه وقت العمل للمعاش فمن غفل عن ذكره تعالى مرض قلبه ، وضعف ايمانه ، واستحوذ عليه الشيطان فأنساه نفسه ، وللّه در القائل : إذا مرضنا تداوينا بذكركم * ونترك الذكر أحيانا فننتكس * * * ثم عزز عز وجل هذا الامر وهذا النهي بما يعد خبر أسوة للانسان ، وهو التشبه والمشاركة لملائكة الرحمن ، فقال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ أي ان ملائكة اللّه المقربين الذين هم عنده كحملة عرشه والحافين به ومن شاء تقدس وتعالى بهذه العندية الشريفة التي لا يعلمها سواه وهم أعلى مقاما من الموكلين بالمخلوقات وتدبير نظامها كالسحاب والمطر والريح والجنة والنار - ان هؤلاء المقربين العالين عنده لا يستكبرون عن عبادته كما يستكبر عنها هؤلاء المشركون الذين عد بعضهم السجود للّه تعالى حطة وضعة لا تحتمل وَيُسَبِّحُونَهُ أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بعظمته وكبريائه وجلاله وجماله من اتخاذ الند والشريك والظهير والمساعد على الخلق والتدبير ، كما يفعل الذين اتخذوا من دونه شفعاء أنداد اللّه يحبونهم كحب اللّه ويعبدونهم مع اللّه وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي وله وحده يصلون ويسجدون فلا يشركون معه أحدا ، فيجب أن يكون لكل مؤمن أسوة حسنة بخواص ملائكته وأقرب المقربين عنده ، تبارك اسمه وتعالى جده . وقد شرع اللّه تعالى لنا السجود عند تلاوة هذه الآية أو سماعها إرغاما للمشركين ، واقتداء بالملائكة العالين ، ومثلها آيات أخرى بمعناها في الجملة ، وهذه هي الأولى في ترتيب المصحف . ونسأله تعالى أن يجعلنا من خير الذاكرين له ، الشاكرين لنعمه ، المسبحين بحمده ، الساجدين له دون سائر خلقه وأن يوفقنا لاتمام تفسير كتابه ، إنه على كل شيء قدير