الشيخ محمد رشيد رضا

54

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

استقصاء ذلك لذكرت منها ما يوقف على كثير من مخاريقه ومخاريق أمثاله « 1 » وضرر أصحاب العزائم ، وفتنتهم على الناس غير يسير ، وذلك انهم يدخلون على الناس من باب ان الجن انما تطيعهم بالرقى التي هي أسماء اللّه تعالى فإنهم يجيبون بذلك من شاؤوا ، ويخرجون الجن لمن شاؤوا ، فتصدقهم العامة على اغترار بما يظهرون من انقياد الجن لهم بأسماء اللّه تعالى التي كانت تطيع بها سليمان بن داود عليه السّلام ، وانهم يخبرونهم بالخبايا وبالسرق « وقد كان المعتضد باللّه مع جلالته وشهامته ووفور عقله اغتر بقول هؤلاء . وقد ذكره أصحاب التواريخ ، وذلك أنه كان يظهر في داره التي كان يخلو فيها بنسائه وأهله شخص في يده سيف في أوقات مختلفة وأكثره وقت الظهر فإذا طلب لم يوجد ولم يقدر عليه ولم يوقف له على أثر مع كثرة التفتيش ، وقد رآه هو بعينه

--> ( 1 ) المواطآت جمع مواطاة وهي الاتفاق بين اثنين أو أكثر على أمر . والمخاريق جمع مخراق وهي في الأصل خرق كانوا يفتلونها ويلعبون بها بإدارتها بخفة ومهارة . ومواطآت الحلاج هي انه كان يتفق مع أناس من رجاله على ما يلبسون به على الناس بدعوى الكرامات وقد اكتشف ذلك في عصره كما بينه التنوخي في جامع التواريخ « نشوار المحاضرة » ومنه أن رجلا جاء بصفة مسترشد وانما هو مختبر فقال له الحلاج : تشه علي ما شئت فقال : أريد سمكا طريا وكانوا في بعض بلاد الجبل البعيدة عن الأنهار والبحر فدخل بيتا خاليا من داره وأغلق عليه بابه وعاد بعد ساعة طويلة وقد خاض وحلا إلى ركبتيه وبيده سمكة تضطرب وزعم أنه دعا اللّه فامره أن يذهب إلى البطائح قال فمضيت إلى البطائح فخضت الأهواز وهذا الطين منها حتى أخذت هذه . فقال الرجل : تدعني ادخل البيت فإن لم ينكشف لي حيلة فيه آمنت بك . فقال شانك - فدخل وبعد عناء وتنقيب اهتدى إلى دار كبيرة فيها بستان عظيم فيه صنوف الفاكهة والثمار والنوار ومنها ما ليس من وقته ولكنه محفوظ بحيلة صناعية ووجد فيها خزائن مليحة فيها أنواع الأطعمة الناضجة والحوائج لما يهيا بسرعة ورأى في الدار بركة ماء مملوءة سمكا فاخذ واحدة منها وخرج . . . فتبعه الحلاج فرمى بالسمكة وجهه وصدره وهرب وأقسم الحلاج ليقتلنه ان حدث أحدا بذلك ولو في تخوم الأرض ولم يحدث بها الرجل الا بعد قتله لعلمه بأنه لو امر أحد المفتونين به ان يقتله فإنه يفعل .