الشيخ محمد رشيد رضا

557

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ قال ابن جرير إن الأمر بالذكر هنا موجه إلى مستمع القرآن أمر بأن يتدبر في نفسه ما يسمع ، وقال عطية العوفي إن المراد بالذكر هنا الدعاء - والجمهور على أنه أمر عام كما تقدم وأن الخطاب فيه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن اتبعه . والتضرع إظهار الضراعة وهي الذلة والضعف والخضوع بكثرة وشدة عناية . والخيفة حالة الخوف والخشية - أي واذكر ربك الذي خلقك ورباك بنعمه في نفسك بأن تستحضر معنى أسمائه وصفاته وآياته وآلائه وفضله عليك وحاجتك اليه متضرعا له : خائفا منه ، راجيا نعمه - واذكره بلسانك مع ذكره في نفسك ذكرا دون الجهر برفع الصوت من القول ، وفوق التخافت والسر ، بل ذكرا قصدا وسطا - كما قال في آخر سورة الإسراء ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ) ولا تحصل فائدة الذكر باللسان إلا مع ذكر القلب وهو ملاحظة معاني القول ، وكأي من ذي ورد يذكر اللّه ذكرا كثيرا بعد بالسبحة منه المئين أو الألوف ثم لا يفيده كل ذلك معرفة باللّه ولا مراقبة له ، بل هو عادة تقارنها عادات أخرى منكرة شرعا . وما ذلك إلا أنه ذكر لساني محض لاحظ فيه للقلب . ذكر النفس وحده ينفع دائما ، وذكر اللسان وحده قلما ينفع وقد يكون في بعض الأحوال ذنبا . والأكمل الجمع بين ذكر اللسان والقلب . وبعد أن بين تعالى صفة الذكر والذاكر بين وقته فقال بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ الغدو مصدر غدا يغدو - كعلا يعلو علوا - أي ذهب غدوة وهو أول النهار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ثم توسع فيه حتى استعمل بمعنى الذهاب مطلقا - ويقابله الرواح وهو الرجوع - ومنه ( غدوها شهر ورواحها شهر ) والآصال جمع أصيل وهو العشي من وقت العصر إلى غروب الشمس فهو كقوله تعالى في سورة الأحزاب ( 33 : 41 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) وقوله في سورة الدهر أو الانسان ( 76 : 25 وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) وقوله في سورة آل عمران ( 3 : 41 وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ) وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما طرفا النهار ومن افتتح نهاره بذكر اللّه واختتمه به كان جديرا بأن يراقبه تعالى