الشيخ محمد رشيد رضا
554
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على القارئ ولا على المستمعين كان الخطب في هذا هينا لا يقتضي ترك القراءة ولا ينافي الاستماع ويجب على كل مؤمن بالقرآن أن يحرص على استماعه عند قراءته كما يحرص على تلاوته ، وأن يتأدب في مجلس التلاوة ، وملاك هذا الأدب للقاريء أن لا يكون منه ولا من غيره ولا من حال المكان ما يعد في اعتقاده أو في عرف الناس منافيا للأدب ، وقد ذكر الفقهاء في المسألة آدابا وأحكاما قد يختلف بعضها باختلاف الاعتقاد والعرف ، وصرحوا بقراءة القرآن في كل حال من قيام وقعود واضطجاع ومشي وركوب فلا تكره في الطريق نصا ولا مع حدث أصغر ونجاسة بدن وثوب ، ولكن يمسك عن القراءة في حال الحدث ، ويستحب الوضوء لها استحبابا ، ولا سيما للقاريء في المصحف ، وتكره مع الجنازة جهرا لأنه بدعة ، وفي المواضع القذرة بأن يجلس فيها للقراءة وأما من مر بمكان منها وهو يقرأ فلا يطلب منه ترك القراءة وكذلك من عرض له الجلوس في بعض الملاهي غير المباحة لا يكره له اللاوة سرا وصرحوا بأنه لا يكره له أن يتلو في بيته إذا كانت زوجه غير مستورة عورة الصلاة . وتستحب القراءة بالترتيل والتغني بالنغم المفيد للتأثير والخشوع من غير تكلف صناعي . وفي حديث أبي هريرة مرفوعا « ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن - زاد غيره في رواية - يجهر به » رواه الشيخان وأذن هنا بمعنى استمع أو سمع . ومصدره بفتحتين وروى أحمد وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي عن فضالة بن عبيد مرفوعا « للّه أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته » والقينة الأمة المغنية ، وروى البخاري عن أبي هريرة مرفوعا : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » ويستحب البكاء مع القراءة والخشوع وإلا فالتباكي والتخشع ، وأن يستعيذ باللّه قبلها ويدعو اللّه في أثنائها بحسب معاني الآيات كسؤال الرحمة عند ذكرها والاستعاذة من العذاب عند ذكره . وكان أنس ( رض ) يجمع أهله وولده عند ختم القرآن فاستحبوا الاقتداء به واعلم أن قوة الدين وكمال الايمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن