الشيخ محمد رشيد رضا
553
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وكل ذي شغل شغله . فأما قراءة النبي ( ص ) فكان بعضها تبليغا للتنزيل وبعضها وعظا وإرشادا فلا يسع أحدا من المسلمين يسمعه يقرأ أن يعرض عن الاستماع أو يتكلم بما يشغله أو يشغل غيره عنه ، وهذا شأن المصلي مع إمامه وخطيبه ، إذ هو موضوع الصلاة والواجب فيها ، ولهذا استدلوا بالآية على امتناع القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية واستثنى بعضهم الفاتحة لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن الصلاة لا تجزيء بدونها جمعا بين النصوص . وورد في السنة سكوت الامام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة . على أنه إذا قرأ الفاتحة مع الامام أو بعده آية آية لا يعد غير مستمع للقرآن ولا غير منصت ، وقد بينا تحقيق الحق في قراءة الفاتحة لمأموم كغيره في متممات تفسيرها من الجزء الأول ومن فروع طلب الاستماع والانصات ان القارئ لا يطلب منه ترك قراءته للاستماع لقاريء آخر بل يختار لنفسه ما يراه خيرا لها من الأمرين ، فقد يخشع بعض الناس بقراءة نفسه ، ويخشع آخر بالاستماع من غيره ، أو من بعض القراء دون بعض ، وإذا تعدد القراء في مكان استمع كل حاضر لمن كان أقرب اليه أو لمن يرى قراءته أشد تأثيرا في نفسه . وما يفعله جماهير الناس في المحافل التي يقرأ فيها القرآن بمصر كالمآتم وغيرها من ترك الاستماع والاشتغال بالأحاديث المختلفة مكروه كراهة شديدة ، وتكون على أشدها لمن كانوا على مقربة من التالي . وأما يعمد الاعراض عن السماع للقرآن فلا يكاد يفعله مؤمن به ، وكذلك رفع الصوت بالكلام على صوت القاري ، عمدا ، فإذا كان اللّه تعالى قد أدب المؤمنين مع رسوله ( ص ) بقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) فرفع أصواتهم على صوت التالي لكلامه عز وجل أولى بأن ينهى عنه ، والأدب معه فوق الأدب مع كلام النبي ( ص ) بالضرورة . وقد كان الصحابة وغيرهم من فصحاء العرب يعبرون عن سماع القرآن بقولهم : سمعت اللّه تعالى يقول كذا . ولا يجوز لقاريء أن يقهرأ على قوم لا يستمعون له ، فإن كان في المجلس كثير من الناس يستمعون وينصتون ، فشذ بعضهم بمناجاة صاحبه بالجنب من غير تهويش